شدد السلطان حسن من قبضته حول عنقه: أنا أسألك، انطق، ما الخبر؟
هنا لم يجد يونس بدا من الإفصاح همسا في أذني والده السلطان حسن متحرجا: الأميرة العالية. - العالية؟
تراخت قبضتا السلطان متراجعا مفكرا مستغربا وكأنه يسترجع تلك اللحظة الدهر، حين استقبلها مترجلة من هودجها مقدما إياها إلى أبي زيد الهلالي. - هاه، تذكرت.
وبدا السلطان وكما لو كان يخفي ضحكه عن ابنه يونس، إلا أنه غمغم متسائلا: هكذا الأمر! غرايب! هي أيضا العالية سألت عن ذلك الماكر المارق والدتك ثلاث مرات، أين الأمير أبو زيد؟ أين أبو زيد؟
وحين استدار السلطان حسن عائدا إلى ديوانه ومجلسه لحق به يونس مواجها: خالي أبو زيد حكى لي خلال الطريق عن صحة ما حدث منه في الهند وسرنديب لشقيقيها الأميرين عقيل وزيد.
وانفلت السلطان حسن مندفعا وهو يرمق ابنه يونس مطمئنا: طبعا أذكر، أعرف.
وكمن قرر أمرا غمغم مسرا ليونس منسحبا: والخيرة في جمع الشمل.
وتفهم يونس مغزى مقولة والده مندهشا منشرحا غير مصدق.
وعلى الفور سمعت من الخارج ضجة عالية صاحبت دخول أبي زيد منكسا مرتبكا على غير عاداته وما عرف عنه، ومن فوره تقدم جاثيا عند ركبتي الأمير طاعن السن جابر الأقرب إلى أن يصبح ضريرا، وهب الأمير جابر يمد يده عابثا في خصلات شعر أبي زيد بعنف ينبئ عن مدى تكتم ما يعتمل في أعماقه من انفعالات عنيفة متضاربة: عمي الأمير جابر، الآن تحقق حلم السنين الطوال في أن تكتحل عيناي برؤيتك ومشاهدة سماحتك.
كل هذا ودياب بن غانم يقاربهما دهشا من تصرف أبي زيد في تجاهله على هذا النحو وبعد طول افتراق وهما الصديقان القديمان اللذان وثقت الأيام والسنون بمحنها وانتصاراتها ما بينهما إلى حد يصعب تجاهله على هذا النحو.
إلا أن أبا زيد تنبه من فوره مستديرا محتضنا دياب بن غانم مقبلا طويلا: أخي وصديق عمري دياب.
متقدما لائما والده العزيز الأمير غانم، والخفاجا عامر وزيدان شيخ الشباب والقاضي بدير، والجميع في لهفة حقيقية محملة بكل تعبير الأسف العميق لتغيبه عنهم جميعا وهم ضيوفه في نجد المرية، لحين دخول السلطان حسن منشرحا قليلا معابثا أبا زيد والجميع: يبدو أن فارسنا أبا زيد يفكر أخيرا جديا في استكمال نصف دينه.
في ذات اللحظة التي أخذ فيها أبو زيد مكانه ملاصقا لعمه الأمير جابر منكسا مضطربا معانيا قليلا في صعوبة لم يعهدها قبلا قائلا: عمي الأمير جابر، أطلب مغفرتك مدى العمر!
ولعلها كانت اللحظة، ويمكن القول الحالة الوحيدة التي يشهد فيها جميع من احتواهم ذلك المجلس أبا زيد فارس الهلالية على هذا النحو من الاضطراب والحنو، وفي مثل تلك المناسبة وهو تقبل العزاء في رحيل الأميرة الأم قائدة الهلالية - الشماء - الذي امتد أياما طويلة.
ومن جديد ساد صمت عميق في المجلس، امتدت خلاله يد الأمير جابر - والد العالية - وكأنها تبحث عن جدائل شعر أبي زيد لتعمل فيها وكما لو كان أبا رحيما يداعب طفله في حنو، بينما تقاطعت دموع الأمير الشيخ على وجنتيه، وأبو زيد يجففها لائما بمنديله متحسسا بكفتيه جبهته وجفون عينيه المسبلتين الآسيتين.
ودارت أقداح القهوة العربية في ذات الصمت المترقب، الذي قطعه دخول الأمراء الثلاثة يونس ومرعي ويحيى، مقاربين أبا زيد الهلالي سلامة، مسرين في أذنه همسا برغبة والدتهم الأميرة «نوفلة» - أخت دياب بن غانم - في رؤيته داخل ديوان عزاء الحريم لحظة ويعود بعدها إلى ضيوفه.
وتشددوا في مطلبهم وهم يجذبونه إلى أن انتصب أبو زيد واقفا مستأذنا منسحبا في أقصى اضطرابه واكفهراره، مما دفع بدياب بن غانم إلى تكتم ضحكاته العالية المدوية في صعوبة مداعبا: غرايب! أبو زيد الهلالي يبدو رقيقا خجلا على هذا النحو مثل بقية خلق الله! غرايب!