تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل إن التظاهرات اندفعت إلى شوارع وساحات عاصمة الخلافة، وظلت الجماهير تجوب الطرقات ليلا داعين مكبرين لأم المجاهدين، وهم يطالبون بالمزيد من المعلومات والأخبار المهدئة لجماهير المسلمين المشدوهة المتعطشة لمعرفة حقيقة ما حدث لذات الهمة، وهل حقا ما يحدث عن بطلتهم الشعبية التي جلبت لهم النصر عقب النصر طيلة تلك السنين؟

وانشغل عنها الأمير عبد الوهاب بمطاردة ملك الروم، دون أن تغيب أخبار جراحها عنه حتى وهو في ساحات أعتى المعارك التي جاءت تلك المرة عاتية من جانب الأروام البيزنطيين، الذين أغراهم وشدد من هجماتهم تيقنهم من غائر جراح الأميرة ذات الهمة، وما أحدثه من تهاو وهبوط بمعنويات جند العرب. •••

إلا أن عبد الوهاب تسلم راياتها مواصلا القتال، مطاردا فلول الأروام البيزنطيين إلى أن شتتهم في السهول وشعاب الجبال، وانسحب ملكهم إلى ما وراء القسطنطينية التي كانت قد تهاوت تحت هجوم العدوان البيزنطي.

ومن جديد ضرب عبد الوهاب حصاره حول العاصمة، مطلقا للبطال وفيالقه التسرب إلى داخل أسوارها انتظارا لفتح الطريق أمام الأمير عبد الوهاب وجيشه لدخولها مرة أخرى.

وظلت ذات الهمة رغم ضراوة جراحها لا تكف عن مراسلة عبد الوهاب وتزويده بخططها خلال فترات حصاره للقسطنطينية، لا يغيب عنها الأمل لومضة في إعادة استردادها، وتقويض تسلطها الطامع في المسلمين وخلافتهم على مدى الأجيال، كما ظلت على اتصال بالخليفة تكاتبه حول كل ما يستجد،

وبألا تغفل عينه وتطرف بعيدا عن ثغور المسلمين التي لا حماية ولا أمن لها من دونهم.

إلى أن وافت المنية ذات الهمة، وشاع خبر استشهادها الذي حذرت مسبقا من نشره وإشاعته بين الناس؛ حتى لا يصل أسماع ابنها عبد الوهاب في لحظات جهاده المضنية الحاسمة التي كانت على دراية بتفاصيلها وهي نصف غائبة عن الوعي، مخافة ما يمكن أن يحدثه خبر وفاتها من إحباط لجهاده، وهي التي أزهقت أنفاسها طيلة عمرها لتحقيقه.

وهكذا ماتت الأميرة ذات الهمة وووريت التراب، وبكتها أمم الأرض إلا ابنها عبد الوهاب، الذي ما إن تحقق من وصوله إلى هدفه باقتحام القسطنطينية مرة أخرى، وفرض الجزية لخليفة المسلمين، حتى أسرع الخطا لزيارة قبرها، وشق ثيابه حزنا وكمدا عليها وهو يرثيها بأبلغ الشعر.

ذلك أن عبد الوهاب كان على دراية بكل الخبايا حتى لحظة مفارقة أم المجاهدين للحياة.

كان عبد الوهاب على دراية يقينية بموت ذات الهمة، مواصلا تحقيق غاياتها في الجهاد دون التفاتة إلى الوراء، إلا أن ما حز غائرا في أعماق عبد الوهاب كحد النصل، هو أنه الوحيد الذي لم يشهد لحظات جراحها ومفارقتها لحياة المعارك وساحات الجهاد.

وظل على الدوام يعاني ذلك الإحساس الدفين بالذنب من الكيفية التي تخلى فيها عنها، متهاوية طريحة تعاني السقوط من أعلى هامة جوادها، وهي تهفو إليه بكل جوارحها، مشيرة بذراعها المشهر الذي يقطر بالدم، داعية إلى التقدم ومواصلة اليقظة الكاملة لكمائن الأعداء المتوثبين من حول عبد الوهاب، فما كان منه سوى مواصلة التقدم دون التفاتة تحسر واحدة لأمه ... ورفيقة جهاده التي ووريت أخيرا التراب.

| حفيد ذات الهمة يحكم الأندلس

كان موت الأميرة ذات الهمة شهيدة تحت تأثير جراحها الغائرة وسط لهيب المعارك داميا فاجعا، وقد وصل خبر منيتها إلى عاصمة الخلافة بغداد، فانقلبت المدينة التي كثيرا ما فتحت لها كل ذراعيها مكبرة مستقبلة راياتها الخفاقة هي وابنها الأمير عبد الوهاب.

وباتت بغداد الرشيد تنتظر وصول جثمانها المضمخ بدمائها القانية التي سفحتها المعارك على تخوم القسطنطينية، التي سبق أن شهدت أمجادها أعواما إثر أعوام.

بغداد والحجاز ومكة المكرمة تنازعت السبق على المطالبة بجثمان ذات الهمة ومواراته الثرى عندها، بالإضافة إلى ما كان يستجد من صراعات بين المدن والعواصم والكيانات والقبائل العربية حول من منها أحق بدفن جثمانها، إلى أن حسم الأمير عبد الوهاب الأمر حسب وصيتها، وذلك

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٦٢