تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها الإفلات من خدعة كبير رهبان اليونان المدعو «شوميدس» للأمير عبد الوهاب، مدعيا إيصاله إلى قبر ملك عربي سالف من ملوك اليمن الغابرة يدعى شداد بن عاد، المدفون بوادي العلق داخل مغارة موحشة ببطن الجبل، فأمر عبد الوهاب عساكره السودانيين بالحفر كما أشار الراهب

شوميدس، إلى أن ظهر لهم بالفعل قبر من الرخام يصل طوله إلى أربعين ذراعا، عليه لوح من النحاس

الأحمر كتب عليه بالخط المسند:

هذا قبر شداد بن عاد الأول، ملك ألف مدينة، وفتح ألف قلعة، وتزوج ألف بنت بكر، ولم يجد من الموت مفرا.

كم قد وقفت كما وقفت!

وكم طربت وكم شربت!

وكم مشيت مع العصاة

وكأنني بك عن قريب يسأل

فقيل مات

إلى أن انتهى بهم الراهب شميدس إلى خدعة طوفان الماء، لحين إنقاذ أبي محمد للأمير عبد الوهاب وفيالقه، ساخرا كعادته وقت كل شدائد ومحن.

إلى أن حققوا انتصاراتهم على بلاد اليونان، فأرسلوا بالسبايا وشروط الجزية إلى الخليفة الرشيد، الذي استبشر بالنصر حتى إنه كاتب عبد الوهاب وذات الهمة والبطال مبصرا بأهمية نبذ كل انقسامات، مع اليقظة الكبرى للأخطار المتجددة على أبواب القسطنطينية، بانتظار الوثوب عليهم في مالطة وبلاد اليونان، قال الرشيد:

أكتب إليكم بعدما رأيت من عساكر الأروام التي اجتمعت على بوابات القسطنطينية، وهي عساكر لم يسمع بمثلها: سبعة عشر مللا بجيوشهم، وهم إلى مالطة قاصدون؛ لذا فإن الأمر عظيم، والخطب جسيم.

وكان الرشيد قد فوجئ بهذه الأخبار إلى حد أنه قاد بنفسه جيشه، ولحق بهم على الجبهة، معيدا جمع الشمل إلى الجيوش والفيالق العربية المتناحرة، حتى يمكن التصدي لأخطار الروم التي تجمعت من جديد تحت الرايات البيزنطية، من «رومان وأرمن ويونانيين وبلغار ومجريين وبرغال وملاقطة وبنادقة».

واحتدمت المعارك إلى أن وقع الرشيد نفسه أسيرا محاصرا بفيالقه لحين تمكن الأمير عبد الوهاب والبطال من فك حصاره، برغم سقوط الأميرة ذات الهمة جريحة؛ حيث «تخضبت ثيابها بالدماء» على مرأى من الأمير ابنها عبد الوهاب، الذي جد السير بجيوشه، ومعظمهم من السودانيين والنوبيين والمصريين والفلسطينيين والعرب الحجازيين، في إثر ملك الروم، الذي تصور أنه نال أقصى أمانيه بأسر خليفة المسلمين، متخليا عن ذات الهمة الجريحة السابحة في دمائها.

ولم يعد عبد الوهاب والبطال إلا بعد أن تمكنا من فك حصار الرشيد الذي ظل الليل بطوله لا يقرب طعاما، إلا أن الرشيد هذه المرة أشاد بشجاعة عبد الوهاب وأبي محمد البطال إلى آخر أيام خلافته، بل هو أوصل وصيته بتجليهما وتقريبهما إلى ولديه الأمين والمأمون، قائلا فيهما: «فقل أن يجود الزمان بمثلهما.»

بل إن الخليفة هارون الرشيد لازم الأميرة ذات الهمة الجريحة، وأحضر لها الأطباء والحكماء لرعايتها من كل أنحاء العالم الإسلامي، وهي نصف محتضرة تعاني آلام جراحاتها البليغة وهي تنطق بالشهادة.

بل لعلها حقا الرغبة في الموت التي طالما تمنتها من أعماقها وسط لهيب المعارك دفاعا عن الحقوق العربية ضد الغزاة الطامعين.

بل إن خبر سقوط الأميرة ذات الهمة جريحة مضرجة بدمائها تواتر مضخما ساريا سريان لهب يلتهم هشيما، مجددا عزم الأعداء الأروام، مثيرا الحمية في مختلف أقطارهم ومللهم ونحلهم، معتقدين أنهم أخيرا تمكنوا من النيل من عدوتهم الأولى فاتحة القسطنطينية، الأميرة الدلهمة.

ووصل الخبر مضخما من عاصمة لأخرى، إلى حد الادعاء بإزهاق روحها وموتها المحقق.

وعلى الجانب المقابل، تلقت الأقطار العربية والإسلامية خبر جراح ذات الهمة في مواجهة الأعداء الأروام واحتضارها بالمزيد من الدعاء الجماعي لها بتجاوز كبوتها، والعودة إلى تحمل أعبائها الكبرى التي هدفها في كل جولة - وإن تعثرت - النصر المحقق للعرب والمسلمين.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٦١