وفي المسند وسنن الترمذي بإسناد صحيح قال: (تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما) (١) .
فلا شك أن روايتهما أولى من رواية ابن عباس، فإنه لم يكن صاحب القصة، ولم يكن الرسول بين الرسول ﷺ وبين صاحبة القصة ومعلوم أن صاحب القصة روايته أصح ممن يرويها عنه.وأيضًا من له اتصال بالقصة كأبي رافع أولى ممن ليس له اتصال كابن عباس.
أضف إلى ذلك أن ابن عباس قد تحمل هذه القصة ولم يكن بالغًا ولا شك أن من تحملها وهو بالغ كميمونة وأبي رافع أولى وأصح ممن تحملها وهو غير بالغ وإن كان رواية غير البالغ تحملًا لا أداء صحيحة، لكن هذا حيث لم يخالف رواية من بلغ. فعلى ذلك: هو وهمٌ من ابن عباس كما قال ذلك الإمام أحمد وغيره.
ولا يؤثر هذا في رواية أصحاب النبي ﷺ، فإن روايتهم على التصحيح مطلقًا، ومن حفظ الله للشريعة أنه إن كان من وهم مع صحة السند إلى الصحابي فإنه يثبت عن صحابي آخر ما يبين الوهم منه حفظًا من الله عز وجل للشريعة كما في هذا المثال في هذه المسألة.
وجمع بعض أهل العلم بين حديث ابن عباس وحديث ميمونة: بأن مراد ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة، وهو في البلد الحرام أو في الشهر الحرام، كما قال الشاعر: * قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا *
ولم يكن محرمًا بحج أو عمرة وإنما كان في البلدة الحرام أو في الشهر الحرام، فالمقصود أن الراجح ما حدثت به ميمونة عن نفسها، ويمكن أن يجاب عن حديث ابن عباس بالجمع المتقدم الذي ذكره بعض أهل العلم – والله أعلم –.
إذًا: الصحيح أن المحرم لا يجوز له أن ينكح ولا أن ينكح.
(١) أخرجه أحمد [٦ / ٣٩٣]، والترمذي [٨٤١] . على أن أبا عمر ابن عبد البر أعله بالانقطاع بين سليمان بن يسار وأبي رافع، زاد المعاد [٣ / ٣٧٣] .