تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أحدهما): أن ما اختار من أنه ليس المراد الأجناس، فإن كان مراده مجرد أعيان البدع، وقد ارتضى اعتبار البدع القولية والعملية، فمشكل، لأنا إذا اعتبرنا كل بدعة دقت أو جلت، فكل من ابتدع بدعة كيف كانت لزم أن يكون هو ومن تابعه عليها فرقة، فلا تقف فى مئة ولا مئتين، فضلاً عن وقوعها فى اثنتين وسبعين، فإن البدع –كما قال- لا تزال تحدث مع مرور الأزمنة إلى قيام الساعة.

(والثانى): أن حاصل كلامه أن هذه الفرق لم تتعين بعد، بخلاف القول المتقدم، وهو أصح فى النظر، لأن ذلك التعيين ليس عليه دليل، والعقل لا يقتضيه.

فالأولى ما قاله من عدم التعيين، وإن سلمنا (أن) الدليل قام له على ذلك، فلا ينبغى التعيين.

أما أولاً: فإن الشريعة قد فهمنا منها أنها تشير إلى أوصافهم من غير تصريح ليحذر منها، ويبقى الأمر فى تعيين الداخلين فى مقتضى الحديث مرجأ، وإنما ورد التعيين فى النادر، كما قال - صلى الله عليه وسلم - فى الخوارج: (إن من ضئضىء هذا قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ... ) الحديث(1)، مع أنه عليه السلام لم يعرف أنهم ممن شملهم حديث الفرق.

وأما ثانياً: فلأن عدم التعيين هو الذى ينبغى أن يلتزم، ليكون ستراً على الأمة كما سترت عليهم قبائحهم فلم يفضحوا فى الدنيا بها فى الغالب(2).

(1) ... تقدم ص113، 119، 409.

(2) ... هذا التعليل فيه نظر ظاهر، وإلا لاكتفى النبى - صلى الله عليه وسلم - بما قاله من أحاديث فى اتباع سنن أهل الكتاب قبلنا شبرًا بشبر ...، ولم يحتج إلى تحديد عدد معين (73 فرقة) فما الفائدة إذن من تحديد ذلك العدد بعينه، وأيضًا فما قاله النبى - صلى الله عليه وسلم - حق وصدق وهو لا محالة واقع فى دنيا الناس، ويؤيد ذلك قيام علماء أجلاء بالكتابة فى أصول هذه الفرق استنادًا إلى هذا الحديث، والله أعلم.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٣٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٣٨٣