تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أحدها): أن يعتقد الإنسان فى نفسه أو يُعتقد فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد فى الدين –ولم يبلغ تلك الدرجة-، فيعمل على ذلك، ويعد رأيه رأياً، وخلافه خلافاً:

ولكن تارة يكون ذلك (فى) جزئى وفرع من الفروع، وتارة يكون فى كلى وأصل من أصول الدين –كان من الأصول الاعتقادية أو من الأصول العملية-، فتراه آخذاً ببعض جزئيات الشريعة فى هدم كلياتها، حتى يصير منها إلى ما ظهر له بادى رأيه، من غير إحاطة بمعانيها، ولا رسوخ فى فهم مقاصدها.

وهذا هو المبتدع، وعليه نبه الحديث الصحيح: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يقبض الله العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا، (فأفتوا) بغير علم، فضلوا وأضلوا)(1).

قال بعض العلماء: تقدير هذا الحديث يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم، أفتى من ليس بعالم، فيؤتى الناس من قبله، وقد صرف هذا المعنى تصريفاً، فقيل: ما خان أمين قط، ولكنه ائتمن غير أمين، فخان. قال: ونحن نقول: ما ابتدع عالم قط، ولكنه استفتى من ليس بعالم، فَضَلَّ وأضل.

قال مالك بن أنس: بكى ربيعة يوماً بكاء شديداً، فقيل له: أمصيبة نزلت بك؟ فقال: لا! ولكن استفتى من لا علم عنده.

والثانى من أسباب الخلاف: اتباع الهوى:

ولذلك سمى أهل البدع أهل الأهواء(2)، لأنهم اتبعوا أهواءهم، فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها والتعويل عليها حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظوراً فيها من وراء ذلك.

(1) ... تقدَّم: ص108، 399.

(2) ... تسميتهم بأهل الأهواء تسمية سُنية، فقد جاء في الحديث: (تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه). تقدَّم: ص142.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٣٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٣٦٦