تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالقسم الأول، إذا وعد من الكبائر، اتضح مغزاه، وأمكن أن يكون منحصراً داخلاً تحت عموم الثنتين والسبعين فرقة، ويكون الوعيد الآتى فى الكتاب والسنة مخصوصاً به لا عاماً فيه وفى غيره، ويكون ما عدا ذلك من قبيل اللمم المرجو فيه العفو الذى لا ينحصر إلى ذلك العدد، فلا قطع على أن جميعها من واحد، وقد ظهر وجه انقسامها.

والثالث: أن المعاصى قد ثبت انقسامها إلى الصغائر والكبائر، ولا شك أن البدع من جملة المعاصى –على مقتضى الأدلة المتقدمة-، ونوع من أنواعها، فأقتضى إطلاق التقسيم أن البدع تنقسم أيضاً.

(فإن) قيل(1): إن ذلك التفاوت لا دليل فيه على إثبات الصغيرة مطلقاً، وإنما يدلُّ ذلك على أنها تتفاضل، فمنها ثقيل وأثقل، ومنها خفيف وأخف، والخفة هل تنتهى إلى حدَّ تعدُّ البدعة فيه من قبيل اللمم؟ هذا فيه نظر.

وقد ظهر معنى الكبيرة والصغيرة فى المعاصى غير البدع، وأما فى البدع، فثبت لها أمران:

أحدهما: أنها مضادة للشارع ومراغمة له، حيث نصب المبتدع نفسه نصب المستدرك على الشريعة، لا نصب المكتفى بما حُدَّ له.

والثانى: أن كل بدعة –وإن قلًّت- تشريع زائد أو ناقص، أو تغيير للأصل الصحيح، وكل ذلك قد يكون على الانفراد، وقد يكون ملحقاً بما هو مشروع، فيكن قادحاً فى المشروع، ولو فعل أحد مثل هذا فى نفس الشريعة عامداً، لكفر، إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير –قلَّ أو كثر- كفر، فلا فرق بين ما قلَّ منه وما كثر، فمن فعل مثل ذلك بتأويل فاسد أو برأى غالط رآه أو ألحقه بالمشروع، إذا لم تكفره، لم يكن فى حكمه فرق بين ما قلَّ منه وما كثر، لأن الجميع جناية لا تحملها الشريعة بقليل ولا بكثير.

ويعضد هذا النظر عموم الأدلة فى ذم البدع من غير استثناء فى الفرق بين بدعة جزئية وبدعة كلية.

وقد حصل الجواب عن السؤال الأول والثانى.

(1) ... هذا هو الإشكال الثالث.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٣٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٣٠٤