كما يؤذن في غير الجمعة، فإذا فرغوا أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبته، ثم تلاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فزاده عثمان رضي الله عنه لما كثر الناس أذاناً بالزوراء عند زوال الشمس، ويؤذن الناس فيه بذلك أن الصلاة قد حضرت، وترك الأذان في المشرفة بعد جلوسه على المنبر على ما كان عليه، فاستمر الأمر على ذلك إلى زمان هشام، فنقل الأذان الذي كان بالزوراء إلى المشرفة، ونقل الأذان الذي كان بالمشرفة بين يديه، وأمرهم أن يؤذنوا صفاً، وتلاه على ذلك من بعده من الخلفاء إلى زماننا هذا.
قال ابن رشد: وهو بدعة، قال: والذي فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدون بعده هو السنة.
وذكر ابن حبيب ما كان فعله عليه السلام وفعل الخلفاء بعده كما ذكر ابن رشد، وكأنه نقله من كتابه.
فصار إذاً نقل هشام الأذان المشروع في المنار إلى ما بين يديه بدعة في ذلك المشروع.
فإن قيل: فكذلك أذان الزوراء محدث أيضاً، بل هو محدث من أصله غير منقول من موضعه، فالذي يقال هنا يقال مثله في أذان هشام، بل هو أخف منه.
فالجواب: أن أذان الزوراء وضع هنالك على أصله: من الإعلام بوقت الصلاة، وجعله بذلك الموضع لأنه لم يكن ليسمع إذا وضع بالمسجد كما كان في زمان من قبله، فصارت كائنة أخرى لم تكن فيما تقدم، فاجتهد لها كسائر مسائل الاجتهاد، وحين كان مقصوداً الأذان الإعلام فهو باق كما كان، فليس وضعه هنالك بمناف، إذ لم تخترع فيه أقاويل محدثة، ولا ثبت أن الأذان بالمنار أو في سطح المسجد تعبد غير معقول المعنى، فهو الملائم من أقسام المناسب، بخلاف نقله من المنار إلى ما بين يدي الإمام، فإنه قد أخرج بذلك أولاً عن أصله من الإعلام، إذ لم يشرع لأهل المسجد إعلام بالصلاة إلا بالإقامة، وأذان جمع الصلاتين موقوف على محله، ثم أذانهم على صوت واحد زيادة في الكيفية.