فإن انتظمتها أدلة الذم، فهو غير صحيح لأمرين:
أحدهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كرِه لعبد الله بن عمرو ما كرِه، وقال له: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال له - صلى الله عليه وسلم - : "لا أفضل من ذلك" تركه بعدُ على التزامه(1)، ولولا أن عبد الله فهم منه بعد نهيه الإقرار عليه لما التزمه ودوام عليه، حتى قال: ليتني قبلت رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وكذلك ما ثبت عن غيره من وصال الصيام وأشباهه.
وإذا كان كذلك،لم يمكن أن يقال: إنها بدعة!.
الثاني: أن العامل بها دائماً بشرط الوفاء، إن التزم الشرط فأداها على وجهها، فلقد حصل مقصود الشارع، فارتفع النهي إذاً، فلا مخالفة للدليل، فلا ابتداع إذاً.
وإن لم يلتزم أداءها: فإن كان باختيار فلا إشكال في المخالفة المذكورة.
وإن كان لعارض مرض أو غيره من الأعذار: فلا نسلم أنه مخالف، كما لا يكون مخالفاً في الواجب إذا عارضه فيه عارض، كالصيام للمريض والحج لغير المستطيع، فلا ابتداع إذاً.
(1) لم يتركه - صلى الله عليه وسلم - على التزامه الأول، بل تركه -بعد أن راجعه عبد الله أكثر من مرة في الصيام- تركه على التزام صوم يوم ويوم. يدل على ذلك رواية مسلم (1159) "لأن أكون قبلت الثلاثة الأيام التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحب إلي من أهلي ومالي" ونحو ذلك عند البخاري في باب: في كم يقرأ القرآن، ولكن بشأن قراءة القرآن لا الصيام. إذن فالمقصود من تأسفه وقوله: ليتني هو ما أرشده إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من صوم ثلاثة أيام كل شهر، فذلك أيسر عليه وأخف في الدوام، ولكنه كان يقول: إني أطيق أفضل من ذلك، فما زال يطلب من النبي المزيد حتى بلغ إلى صوم داود عليه السلام.