إذ لو كان هنالك ما يدلُّ من الشرع على وجوبٍ أو ندب أو إباحة، لما كان ثمَّ بدعة، ولكان العمل داخلاً فى عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها، فالجمع بين كون تلك الأشياء بدعاً وبين كون الأدلة تدلُّ على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين.
أما المكروه منها والمحرم، فمسلًّم من جهة كونها بدعاً لا من جهة أخرى، إذ لو دلَّ دليل على منع أمر ما أو كراهته، لم يُثبِت بذلك كونه بدعة، لإمكان أن يكون معصية.
فما ذكره القرافى عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع صحيح، وما قسًّمه فيها غير صحيح. ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف ومع معرفته بما يلزمه فى خرق الإجماع!! وكأنه إنما اتبع فى هذا التقسيم شيخه من غير تأمل، فإن ابن عبد السلام ظاهر منه أنه سمى المصالح المرسلة بدعاً، بناءً –والله أعلم- على أنها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينَّة، وإن كانت تلائم قواعد الشرع –فمن هنالك جعل القواعد هى الدالة على استحسانها- بتسميته لها بلفظ "البدع" وهو من حيث فقدان الدليل المعَّين على المسألة واستحسانها من حيث دخولها تحت القواعد، ولمَّا بنى على اعتماد تلك القواعد، استوت عنده مع الأعمال الداخلة تحت النصوص المعيَّنة، وصار من القائلين بالمصالح المرسلة، وسمَّاها بدعاً فى اللفظ، كما سمًّى عمر رضى الله عنه الجمع فى قيام رمضان فى المسجد بدعة.
أما القرافى، فلا عذر له فى نقل تلك الأقسام على غير مراد شيخه، ولا على مراد الناس، لأنه خالف الكل فى ذلك التقسيم فصار مخالفاً للإجماع.
ثم نقول: [فى الرد على القرافى]
أما قسم الواجب، فقد تقدَّم ما فيه آنفاً، فلا نعيده.