تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والثانى: ... أن الشرع قد دل على أنَّ الهوى هو المتَّبَع الأول فى البدع، وهو المقصود السابق فى حقهم، ودليل الشرع كالتبع فى حقهم، ولذلك تجدهم يتأوَّلون كلَّ دليل خالف هواهم، ويتَّبعون كل شبهة وافقت أغراضهم.

والأدلَّة على هذا كثيرة، تشير أو تصَّرح بأن كلَّ مبتدع إنما يتَّبع هواه، وإذا أتبَّع هواه، كان مذموماً وآثماً، والأدلة عليه أيضاً كثيرة: كقوله تعالى: ﴿ ومن أضلُّ ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ﴾ (1) وما أشبه ذلك، فإذاً، كل مبتدع مذموم آثم.

والثالث: ... أن عامة المبتدعة قائلة بالتحسين والتقبيح (العقلى)، فهو عمدتهم الأولى، وقاعدتهم التى يبنون عليها الشرع، فهو المقدَّم فى نِحَلِهم، بحيث لا يتَّهمون العقل، وقد يتَّهمون الأدلَّة إذا لم توافقهم فى الظاهر، حتى يردُّوا كثيراً من الأدلة الشرعية.

فإذاً، تأثيم من هذه صفته ظاهر، لأن مرجعه إلى اتباع الرأى، وهو اتباع الهوى المذكور آنفاً.

والرابع: ... أن كل راسخ لا يبتدع أبداً، وإنما يقع الابتداع ممَّن لم يتمكَّن من العلم الذى ابتدع فيه، حسبما دلَّ عليه الحديث، ويأتى تقريره بحول الله، فإنما يؤتى الناس من قبِل جُهالهم الذين يحسبون أنهم علماء.

وإذا كان كذلك، فاجتهاد من اجتهد منهىُّ عنه إذ لم يستكمل شروط الاجتهاد، فهو على أصل العموميَّة، ولما كان العامىُّ حراماً عليه النظر فى الأدلة والاستنباط، كان المخضرم الذى بقى عليه كثير من الجهالات مثله فى تحريم الاستنباط والنظر المعمول به، فإذا أقدم على محرَّم عليه، كان آثماً بإطلاق.

وبهذه الأوجه الأخيرة، ظهر وجه تأثيمه، وتبين الفرق بينه وبين المجتهد المخطئ فى اجتهاده.

(1) ... القصص: 50.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ١٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ١٠٥