تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شرح حديث: (كان رسول الله مربوعًا)

عن البراء رضي الله عنه قال: (كان رسول الله ﷺ مربوعًا) المربوع الوسط، لا هو طويل طولًا بائنًا، ولا قصيرًا قصرًا بائنًا، لكنه كان وسطًا وإلى الطول أقرب عليه الصلاة والسلام.

وكان النبي ﷺ إذا مشى مع أصحابه ومنهم الطويل ومنهم القصير، فالناظر إليهم لا يجد أحدًا يصل إلى النبي ﷺ، فقد كان ربعة من الرجال ومع ذلك كان إذا مشى مع إنسان طويل فكأن النبي ﷺ أطول من هذا الذي يمشي معه عليه الصلاة والسلام! قال: (ولقد رأيته في حلة حمراء ما رأيت شيئًا قط أحسن منه) كان أجمل الخلق عليه الصلاة السلام، فنظر إليه البراء بن عازب وهو لابس حلة حمراء، قال بعض العلماء: يعني: كلها حمراء، وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: فيها لون غير الأحمر؛ لأنه يرى أن لبس الرجل للون الأحمر ممنوع منه، ويحرم على الرجل أن يلبس الثوب الأحمر القاني الذي ليس معه لون آخر.

ودليل ابن القيم رحمه الله على ذلك: أن النبي ﷺ: (نهى عن المعصفر من الثياب) المعصفر: هو الذي لونه أحمر، والصواب: أن اللون الأحمر ليس محرمًا؛ لأنه ثبت في حديث البراء وفي حديث أبي جحيفة أيضًا: أنه لبسه النبي ﷺ، ومسألة أن فيه لونًا آخر غير الأحمر هذا يحتاج إلى دليل ونقل من اللغة العربية أن البرد لا يكون إلا لونين، ونهي النبي ﷺ عن المعصفر يخص الذي صبغ بنبات العصفر، وهو يصبغ لونًا أحمر، فهذا هو الأحمر المحرم دون غيره؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ لبس الأحمر غير المعصفر، فعن أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال: (رأيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم) والأبطح مكان في مكة مأخوذ من البطحاء، والبطحاء الحصباء وهي الحجارة الصغيرة، فالنبي ﷺ لما انتهى من مناسك حجه ﷺ انتقل إلى البطحاء، فهو رأى النبي ﷺ وهو في قبة حمراء من أدم، والقبة هي الخيمة التي كان النبي ﷺ فيها، وكانت من جلد ولونها أحمر.

قال: (فخرج بلال بوضوئه) يعني: بالماء الذي توضأ به ﷺ، قال: (فمن ناضح ونائل) يعني: كل يأخذ منه ليتبرك بأثر النبي ﷺ، فيأخذ منه شيئًا فينضح على ثوبه من الماء الذي توضأ منه النبي ﷺ.

قال: (فخرج النبي ﷺ وعليه حلة حمراء كأني أنظر إلى بياض ساقيه) يعني: كان لابسًا عليه الصلاة والسلام لحلة حمراء، وما كانت مجرجرة على الأرض؛ لأنه رأى بياض ساقي النبي ﷺ، ولو كانت تخفي الكعبين لما قال: (رأيت ساقيه، فقد كانت حلته ﷺ مرفوعة عن الكعبين قليلًا بحيث يبدو الساق.

قال: فتوضأ وأذن بلال، فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يقول يمينًا وشمالًا: حي على الصلاة حي على الفلاح ثم ركزت له عنزة) كان بلال يؤذن ويقول يمينًا وشمالًا: حي على الصلاة حي على الفلاح؛ ليسمع الجميع.

قال: (ثم ركزت له عنزة) يعني: ركزت للنبي ﷺ، والعنزة عكازة صغيرة، وكان يحمل العنزة أحد أصحابه عليه الصلاة والسلام، فإذا أراد أن يصلي في صحراء ونحوها ولا توجد له سترة، فكان يركز له العنزة في الأرض.

إذًا: من السنة أن المصلي لا يصلي إلى الفراغ، ولكن يصلي إلى شيء قدامه مثل عمود، أو إنسان جالس أمامه، أو أي شيء يجعله سترة من نحو عكاز ونحوه، فالنبي ﷺ ركزت له هذه العنزة فتقدم فصلى عليه الصلاة والسلام إليها.

قال: (يمر بين يديه الكلب والحمار ولا يمنعه) يعني: من وراء السترة، فإذا صليت وأمامك سترة ثم مر شيء من أمام السترة فلا شيء في ذلك.

ولماذا قال: (يمر بين يديه الكلب والحمار)؟ لأن النبي ﷺ أخبر أن مما يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة الحائض، ومعنى يقطع أي: ينقص من صلاة المصلي، فكان يمر بين يدي النبي ﷺ ذلك من وراء العنزة، فطالما السترة موجودة فلا يضر ما مر من ورائها.

وهذا الحديث متفق عليه.

شرح رياض الصالحين - حطيبة · الجزء ٧١ · الصفحة ٤

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح رياض الصالحين - حطيبةج ٧١ · ص ٤