ولقد تواترت النصوص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأمر ببر الوالدين , والحث على ذلك وتحريم عقوقهما كما في القرآن، ففي صحيح البخاري عن ابن مسعود قال: (سألت الرسول - صلى الله عليه وسلم - , أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها , قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين , قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله).
وعن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى , يا رسول الله , قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين , وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور , ألا وشهادة الزور , فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت) متفق عليه.
وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (رضى الرب في رضى الوالدين وسخطه في سخط الوالدين). رواه الترمذي وصححه.
وعن أبى هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما ولم يدخل الجنة) رواه أحمد.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً.
﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً﴾
المعنى الإجمالي للآية:
قال ابن كثير: في هذه الآية يأمر الله تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له , فإنه الخالق الرازق , المنعم المتفضل على خلقه في جميع الحالات , وهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئاً من مخلوقاته. أ. هـ
ـ وقرن الأمر بالعبادة التي فرضها بالنهي عن الشرك الذي حرمه. فدلت على أن اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة
﴿شيئاً﴾ , نكرة في سياق النهي فتعم كل شيء , لا نبياً ولا ملكاً ولا ولياً ولا أمراً من أمور الدنيا , فلا يجعل الدنيا شريكاً مع الله , والإنسان إذا كان همه الدنيا كان عابداً لها , كما قال - صلى الله عليه وسلم -: (تعس عبد الدينار , تعس عبد الدرهم , تعس عبد الخميلة) رواه البخاري.
﴿واعبدوا﴾ دليل على أن التوحيد هو أول واجب على المكلف , لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك في الله , كما هي أقوال لمن يدر ما بعث الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم - من معاني الكتاب والحكمة , قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب , فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ـ وفي رواية ـ أن يوحدوا الله). متفق عليه.
وهو آخر ما يخرج به من الدنيا كما قال - صلى الله عليه وسلم -: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة). رواه أبو داود ﴿واعبدوا﴾ , العمل والعبادة لا تقبل إلا بشرطين:
1. الإخلاص: قال - صلى الله عليه وسلم - (إنما الأعمال بالنيات) متفق عليه عن عمر.
2. أن يكون موافقاً لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - , قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا هذا فهو رد). رواه مسلم عن عائشة.
﴿ولا تشركوا به شيئاً﴾ , الشرك بالله هو أعظم ذنب عصي الله به، وهو هضم للربوبية وتنقص للألوهية , وهو [تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله].
ـ فالشرك صاحبه مخلد في النار، قال تعالى: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار﴾
ـ وهو محبط للعمل، قال تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾
ـ وهو أكبر الكبائر، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أكبر الكبائر الإشراك بالله)
ـ أن الله لا يغفر لصاحبه إذا مات ولم يتب منه، كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.
وكيف لا يكون أعظم ذنب عصي الله به وقد جعل لله شريكاً في عبادته وقد أوجده من العدم , وغذاه بالنعم.
والشرك ينقسم إلى قسمين:
أولاً: شرك أكبر: وهو الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة , وصاحبه إن لقي الله به فهو خالد مخلد في النار أبد الآبدين ودهر الداهرين , قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.
ثانياً: شرك أصغر: وصاحبه إن لقي الله به فهو تحت المشيئة , إن شاء الله عفا عنه وأدخله الجنة , وإن شاء عذبه , ولكن مآله إلى الجنة.
ومن أنواع الشرك الأصغر: الحلف بغير الله , وإن لم يقصد تعظيم المحلوف به ومنه يسير الرياء والتصنع للخلق.