ومن لم يحكم بما أنزل الله لا استخفافاً بحكم الله، ولا احتقاراً، ولا اعتقاداً أن غيره أصلح منه وأنفع للخلق، وإنما حكم بغيره محاباة للمحكوم له، أو مراعاة لرشوة، أو غيرها من مرض الدنيا، فهذا فاسق “. أ. هـ
عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به). قال النووي: ” حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح “. ورواه ابن أبي عاصم في السنة (1/ 121) والبغوي في شرح السنة (1/ 213) والخطيب البغدادي (4/ 269)
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
شواهد هذا الحديث في القرآن كثيرة:
قال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾.
وقال تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾.
وقال تعالى: ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم﴾.
هذا الحديث أعله ابن رجب في (جامع العلوم والحكم) قال: ” تصحيح هذا الحديث بعيد من وجوه “.
وضعفه الألباني.
وصحح الحديث الشيخ فريح البهلال في كتابه (تخريج أحاديث منتقدة في كتاب التوحيد) وقال:
” والحاصل أن حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى ... ) حسن أو صحيح سنداً ومتناً “.
(لا يؤمن أحدكم) أي لا يحصل له الإيمان الواجب، ولا يكون من أهله.
(حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) هواه: ما يهواه، أي تحبه نفسه وتميل إليه، فإن كان الذي يحبه وتميل إليه نفسه ويعمل بها، تابعاً لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يخرج عنه إلى ما يخالفه، فهذه صفة أهل الإيمان المطلق.
وإن كان بخلاف ذلك أو في بعض أحواله أو أكثرها، انتفى عنه من الإيمان كماله الواجب.
وقد سمى الله الهوى المخالف لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلهاً فقال: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾.
قال ابن رجب: ” أما معنى الحديث: أن الإنسان لا يكون مؤمناً كامل الإيمان، حتى تكون محبته تابعة لما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأوامر والنواهي وغيرها، فيحب ما أمر به ويكره ما نهي عنه “.
وذم الله سبحانه من كره ما أحبه الله، أو أحب ما كرهه الله، كما قال: ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم﴾.
وقال: ﴿ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله فأحبط أعمالهم﴾.
فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه، أوجب ذلك له أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله، ويرضى بما يرضى به الله ورسوله، ويسخط لما يُسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض.
وكذلك حب الأشخاص: الواجب فيه أن يكون تبعاً لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
فيجب على المؤمن محبة من يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عموماً.
ولذلك كان من علامات وجود حلاوة الإيمان: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله.
وقال الشيخ الشعبي: ” كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد، عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهناً من جهينة فيتحاكما إليه، فنزلت: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون ... ﴾ الآية.
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
يخبر الشعبي رحمه الله تعالى في هذا الأثر أن رجلاً من المنافقين ورجلاً من اليهود قد حصل بينهم نزاع، فطلب اليهودي التحاكم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنزاهته وعدله وابتعاده عن قذارة الرشوة ودناءتها، أما المنافق فطلب التحاكم إلى اليهود لعلمه أن اليهود يأخذون الرشوة، وأنه يريد أن يرشوهم فيصل إلى ما يريد بالباطل، وبعد ذلك اتفقا الطرفان على أن يترافعا إلى كاهن من جهينة، فأنزل الله فضيحتهم في كتابه الذي ينشر عارهم وخزيهم إلى يوم القيامة.
مناسبة الأثر للباب:
حيث دل الأثر على تحريم التحاكم إلى غير شرع الله.
ما يستفاد من الأثر:
1 - معجزة النبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث شهد له عدوه بالنزاهة.