وَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 51].
إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا دَلَّ الْأَمْرُ بِهِ عَلَى قَصْدِ الِاسْتِعْمَالِ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ النِّعَمَ الْمَبْسُوطَةَ فِي الْأَرْضِ لِتَمَتُّعَاتِ الْعِبَادِ الَّتِي ذُكِرَتِ الْمِنَّةُ بِهَا، وَقُرِّرَتْ عَلَيْهِمْ؛ فُهِمَ مِنْهَا الْقَصْدُ إِلَى التَّنَعُّمِ بِهَا، لَكِنْ بِقَيْدِ الشُّكْرِ عَلَيْهَا.
- وَمِنْهَا: أَنَّهُ تَعَالَى أَنْكَرَ عَلَى مَنْ حَرَّمَ شَيْئًا مما بث في الأرض من الطَّيبات، وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ ضَلَالِهِمْ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الْأَعْرَافِ: 32]؛ أَيْ: خُلِقَتْ لِأَجْلِهِمْ، ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الْأَعْرَافِ: 32]، لَا تِبَاعة فِيهَا وَلَا إِثْمٌ":
هي لا تبعة فيها ولا إثم، تبعة يعني مؤاخذة.
"لَا تِبَاعة فِيهَا وَلَا إِثْمٌ؛ فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْقَصْدِ إِلَى اسْتِعْمَالِهَا دُونَ تَرْكِهَا.
-وَمِنْهَا: أَنَّ هَذِهِ النِّعَمَ هَدَايَا مِنَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ، وَهَلْ يَلِيقُ بِالْعَبْدِ عَدَمُ قَبُولِ هَدِيَّةِ السَّيِّدِ؟! هَذَا غَيْرُ لَائِقٍ فِي مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، وَلَا فِي مَجَارِي الشَّرْعِ، بَلْ قَصْدُ الْمُهْدِي أَنْ تُقْبَلَ هَدِيَّتُهُ، وَهَدِيَّةُ اللَّهِ إِلَى الْعَبْدِ مَا أَنْعَمَ بِهِ عليه؛ فليقبل، ثم ليشكر له عليها.
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِيهِ عُمَرَ فِي مَسْأَلَةِ قَصْرِ الصَّلَاةِ ظَاهِرٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، حَيْثُ قَالَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: (إِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ؛ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ)، زَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ: "أَرَأَيْتَ لَوْ تَصَدَّقْتَ بِصَدَقَةٍ فَرُدَّتْ عَلَيْكَ؟ أَلَمْ تَغْضَبْ؟ "، وَفِي الْحَدِيثِ: (إن الله يحب أن تُؤْتَى رُخَصُه، كما يحب أن تؤتى عزائمه).
وَغَالِبُ الرُّخَصِ فِي نَمَطِ الْإِبَاحَةِ نُزُولًا عَنِ الْوُجُوبِ؛ كَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ، أَوِ التَّحْرِيمِ؛ كَمَا قَالَهُ طَائِفَةٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النِّسَاءِ: 25] إِلَى آخِرِهَا، وَإِذَا تَعَلَّقَتِ الْمَحَبَّةُ بِالْمُبَاحِ؛ كَانَ رَاجِحَ الْفِعْلِ.
فَهَذِهِ جُمْلَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ قَدْ يَكُونُ فِعْلُهُ أَرْجَحَ مِنْ تَرْكِهِ":