2 - التخلف في مجاري الأساليب
"وأما مجاري الأساليب؛ فمثل قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ إلخ [المائدة: 93]. فهذه صيغة عموم تقتضي بظاهرها دخول كل مطعوم":
قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾، "ما طعموا" هذه صيغة عموم، يعني: أي شيء أكلوا، إذًا هاتان صيغتان: الأولى: "على الذين آمنوا"، والثانية: "ما طعموا": أي شيء طعموا، فهي من صيغ العموم.
" فهذه صيغة عموم تقتضي بظاهرها دخول كل مطعوم، وأنه لا جناح في استعماله بذلك الشرط":
الشرط أن يأكل المرء أي مطعوم إذا ما اتقى.
"ومن جملته الخمر، لكن هذا الظاهر يفسد جريان الفهم في الأسلوب":
لكن هذا الظاهر -وهو قصده العموم: أي طعام- يفسد جريان الفهم في الأسلوب.
"مع إهمال السبب الذي لأجله نزلت الآية بعد تحريم الخمر؛ لأن الله تعالى لما حرم الخمر؛ قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: 93]، فكان هذا نقضا للتحريم، فاجتمع الإذن والنهي معا؛ فلا يمكن للمكلف امتثال":
هذه الآية من سورة المائدة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ ثم قال -سبحانه وتعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخره الآية. يقول الشيخ: لا بد أن الكلام لا ينقض بعضه بعضًا: كيف ينهى عن الخمر خصوصًا ثم يجيزها هنا؟ وهل الشراب طعام؟ لأنه قال: ﴿فيما طعموا﴾، هل الشراب طعام؟ أما من جهة التخصيص؛ فلا، وأما من جهة العموم؛ فنعم، لأنه من الطعم، ولذلك قال -سبحانه وتعالى- في سورة البقرة: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾، ماذا قال؟ ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾؛ فسمى الماء المشروب من النهر طعاما.
قال: "فكان هذا نقضًا للتحريم":