الدرس [30]
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين وإمام المتقين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الغر الميامين وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، جعلنا الله -عز وجل- وإياكم منهم آمين.
هذا هو الدرس الثلاثون من دروس شرح (الموافقات) للإمام أبي إسحاق الشاطبي، وقد كنا مع المقدمة الثانية عشرة -وهي قبل الأخيرة-، وفيها بسط الشيخ الوسائل الأولية في طرق تلقي العلم.
أهمية المؤسسة العلمية في أمتنا
لما كان هذا العلم دين؛ فإنه لما نقول دين يعني مرتبط بالعمل، سواء كان هذا العمل هو عمل القلب أو عمل الجوارح، ولذلك ليس هذا الدين شعريًّا، كما قال الله -عز وجل- عن الشعراء: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾، هذا الدين دين الإنسان، وهو الذي يحرك الإنسان كاملًا، والقرآن يخاطب الإنسان كله، وأعظم ما يخاطب مرجل الإرادات -وهو القلب-، ولذلك هذا الدين ينبغي أن يقترن دائمًا بالمثال، والمقصود أن المرء حين يسمع الكلمة لا بد أن يتوافق مع سماع الكلمة مثال عمليّ يطبقها.
والعلماء قديمًا وحديثًا بحثوا فيما هو الأفضل؛ الأذن أم العين؟ وبحث فيها ابن قتيبة بحثًا ورأى بقراءته للقرآن واستقرائه أن الأذن أعظم من العين، ورد عليه الجويني في كتاب (الغياث) وعرّض به تعريضًا شديدًا -ما كان ينبغي له ولكن هذا الذي حدث-.
واليوم علماء الدعاية وعلماء الإعلام يقولون: ما الأقوى؛ الكلمة أم الصورة؟ وبلا شك أن الأذن لها أهمية عظيمة في قضية سماع الكلام، وهي عند الكثيرين أقوى من القراءة وأركز؛ فالرجل ربما يقرأ الكلمة فتذهب عنه، ويسمع الكلمة فتستقر في قلبه، ولكن الذي يهمنا هو أن اجتماع العين مع الأذن هو الكمال، ولذلك فالطريقة التي دعى إليها إمامنا الشاطبي هنا هي الطريقة الأكمل والأمثل، لأنها تؤدي إلى الأخذ عن الشيوخ بطرق التحمل، ولعلكم قرأتم في مصطلح الحديث بابًا عظيمًا من أبواب العلم يسمى ب"طرق التحمل"، أي كيفية تحمل طالب العلم للعلم -من السماع، القراءة، العرض، إلى غير ذلك-، وهذه التي