
ولو كان ما طالبوا به من هذا واجبا ، لكنا لا نعلم أن عادة أهل كل بلد الشبع والري بتناول الطعام والشراب، وحصول السكر عند تناول العتيق من الشراب؛ فلما لم يختلف في ذلك? وليس طريق العلم به إلا أنه لو اختلفت عادة أهل البلاد في ذلك، لوجب نقله وظهوره وحصول العلم به، وإلا وجب شكنا في ذلك وفي كل ما نعلمه ضرورة.
ثم نقول: نحن نعلم ضرورة أن الصعود إلى السماء والمشي على الماء وما جرى هذا المجرى: آية وحجة على البشر ونقض لعادتهم، وإن لم يكن ذلك نقضا لعادة الملائكة والجن؛ لأن المعتبر في كون الشيء حجة ونقضا للعادة : أن يكون نقضا لعادة من العادة عادة له دون غيره؛ ولذلك لو ادعى نبي لصدقه حدوث المد والجزر بجيحون، كان ذلك نقضا لعادتهم إذا فعل وحجة لصدقه، وإن كان معتادا لأهل البصرة . ولو قال: «آية صدقي أن ينبت الله تعالى نخيلا في بلاد خراسان»؛ ففعل ذلك ، كان ناقضا للعادة وحجة له.
فإن قالوا: من أصلكم: أن خرق العوائد وقلبها مقدور لله تعالى، وليس من المستحيل أن تطرد عادة لم يعهد مثلها، ولو اطردت لخرجت عن كونها معجزة؛ فإذا ادعى نبي النبوة وتشبث بما يخرق العادة، فما يؤمننا أن يكون ذلك أول عادة ستطره(2)؟ ولو اطردت ما كانت آية(3) ، وقد ثبت أن ما يكون معتادا من الفعل لا بد له من أول، وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يكون الله سبحانه ابتدأ بنقض هذه العادة عند ادعاء مدعي الرسالة؛ ليجعل(4) ذلك عادة