
قال الإمام: والأولى أن يورد هذا في معرض الإلزام لا في معرض الاستدلال؛ فإن المستدل به لا يسلم عن الطلبة إذا قيل له: ما الدليل على أن ما جاز أن يتأخر عن القدرة بوقت جاز تأخره عنها بأوقات ? فلا تسلم الدلالة ما لم تقيد بأن يقال: تأخر المقدور لا يقلب جنسها ولا يثبت استحالة، ويستوي في ذلك الوقت الواحد والأوقات. والأولى أن نسائلهم؛ فنقول: إذا سوغتم تأخر المقدور فما المانع من تأخره أوقاتا ? فلا يستقر لهم قدم إذا كانوا مسؤولين.
فإن قالوا : القدرة مع المقدور بها بمثابة النظر مع العلم بالمنظور فيه.
قلنا: هذه دعوى، ولم قلتم ذلك ? وبأي جامع جمعتم بينهما ?
فإن قالوا: الجامع بينهما: أن القدرة لا تقارن المقدور، والمقدور لا يقارنها بل يتعقبها ، كالعلم مع النظر.
قلنا: هذا اقتصار منكم على ذكر المذهب؛ فلم قلتم: إن العلم إنما يعقب النظر؛ لأنه لم يقارنه ? وإذ عجزتم عن الجمع، فها نحن نوميء إلى طرق في الفرق، وإن لم يلزمنا: منها: أن النظر ليس بموجب للعلم، وإنما هو متضمن له بالتنبيه عليه، وحقيقته تئول إلى إزالة الغفلة، وأما القدرة فإن خاصيتها إيقاع شيء بعد أن لم يكن، وإنما يحتاج إليها حالة وقوع الفعل، كما يحتاج الفعل إلى الفاعل حالة وجوده لا قبله.
ثم نقول: رد القدرة إلى الإرادة أولى من ردها إلى النظر، وهي بها أشبه منها بالنظر، ثم الإرادة تقارن المراد ولا تقدمه؛ فلزم مثل ذلك في القدرة،