 الصناعة : كل من يعده العقلاء عاقلا وخرج عن حد المعتوهين، أو : من يصح منه النظر والاستدلال فيما وراء المحسوسات.
وأما البلوغ فلولا تنصيص الشرع عليه لما عرفناه شرطا في التكليف، ويصح أن يقال: الصبا مظنة الغباوة في الأغلب، وفي زواله كمال العقل؛ فلذلك جعل البلوغ شرطا في التكليف. ثم البلوغ قد يحصل بالحلم، وقد يحصل باستكمال السن المعهود في الشرع، ونظم الكلام: أول ما يجب شرعا على العاقل البالغ بأحد هذين الأمرين: إما الحلم أو كمال السن...
أما الشرط الثالث - وهو ورود الرسول، وهو ما أشار إليه الإمام بقوله: اشرعا - فاعلم أنه لا حكم ولا شرع قبل الشرع، والمعني بالأحكام: الشرائع، التي منها: الحسن والقبح، والوجوب والندب والإباحة والحظر والكراهة، وغير ذلك من الصحة والفساد ونحوهما.
وحقيقة الواجب: ما يذم تاركه، وقد علمنا أنه لا يتعين في قضية العقل فعل يستحق على تركه ذم أو يلام فاعله إلا من قبل من له الأمر والنهئ، فإن الأفعال وتروكها في حكم العقل سواء في هذا الباب، فثبت: أنه لا سبيل إلى معرفة واجب قبل الشرع؛ فلا بد من ورود رسول من قبل الله تعالى تتلقى منه الشرائع، فيصدر منه الإيجاب، بشرط أن يكون معه دليل الإيجاب، والمعني بدليل الإيجاب: الآية الدالة على صدقه.
ثم يجب أن يكون المخاطب المدعو إلى النظر عاقلا بالغا متيقظا، بحيث يتمكن من تحصيل العلم بصدق الرسول وثبوت الشرع، ولا يتوقف ثبوت الشرع على علم المخاطب به، بل يكفي تمكنه من تحصيل العلم بصدق الرسول، فإذا جاء الرسول ومعه الدليل الباهر الواضح، ثم أؤجب وحذر