تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما إذا كان من الأئمة المكثرين من الرواية، الواسعي الرواية، مثل أبي إسحاق، ومثل أبي الزبير، ومثل قتادة، ومثل الثوري وغيرهم، فهؤلاء الأصل في حديث عنعنتهم حملها على الاتصال، وبخاصة عن شيوخهم الذين أكثروا عنهم في الرواية.

فمثلا الأعمش، ذكر الذهبي في ترجمته في الميزان أن الراوي إذا كان مكثرا عن شيخه -ولو كان مدلسا- فإنه تحمل عنعنته على الاتصال، فإذا كان هذا الراوي من الأئمة المكثرين، ودلس أو روى بالعنعنة، فالأصل حمل عنعنته على الاتصال -وإن كان موصوفا بالتدليس- إلا إذا قام قائم يمنع منها، وهو وجود النكارة في الإسناد أو المتن، فيحمل على الراوي المسقَط لا على هذا الإمام، وهذا هو عمل الأئمة؛ ولهذا تسلم من كثير من الإشكالات المورَدة على الصحيحين.

اُعترِض على الصحيحين بأن خُرِّج لهم أو خرَّجوا أحاديث أناس موصوفين بالتدليس، وروى الحديث بصيغة العنعنة، وتكلف العلماء في الجواب، لكن عمل الأئمة المنطبق الموافق لما في الصحيحين أن هؤلاء الأئمة عنعنتهم محمولة على الاتصال، أو كان هذا الراوي مكثرا عن شيخه، إذا كان شيخه مكثرا عنه الرواية وكان مدلسا تحمل العنعنة على الاتصال؛ من أجل كثرة الرواية عن شيخه.

وبهذين الأمرين يسلم لنا أو تسلم لنا كثير من الاعتراضات على الصحيحين؛ ولهذا الدارقطني في التتبع ما جاء بهذه التعليلات التي أُعِلَّت فيها في الصحيحين، يعني: لو مشينا، لو أخذ بها الدارقطني في التتبع لبلغ ما تتبعه الدارقطني عليهما شيئا كثيرا، لكن لما كانت القاعدة واضحة عندهم، والبخاري ومسلم من أئمة هذا الفن، وعملهما موافق لأئمة هذا الشأن؛ فإن الأحاديث المخرجة عندهما من رواية المدلسين منطبق على عمل جمهور أئمة العلماء.

والحديث المدلس هو إذا ثبت التدليس يكون حديثا منقطعا، فإذا كنا لا نعلم حال المنقطع، ما ندري من الساقط في الإسناد؟ فهذا إذا جاءه طريق أخرى أو طرق أخرى فإنها تقويه، وترفعه للحسن لغيره، وأما إذا عرفنا الساقط فإن هذا الساقط يعامل بحاله إن كان متروكا فلا يجبر حديثه، وإن كان ضعيفا أو مجهولا فإنه ينجبر حديثه، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

شرح الموقظة · الصفحة ٢٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح الموقظةص ٢٠٢