فمن زعم أن حرفا واحدا منه مخلوق فقد كفر لا محالة، فالآي في ذلك من القرآن، والحجة عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أكثر من أن تحصى، وأظهر من تخفى.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذه المسألة من مسائل التوحيد والإيمان، وهي مسألة القرآن، القرآن كلام الله - عز وجل - تكلم الله به بحرف وصوت، وسمعه منه جبرائيل -عليه الصلاة والسلام-، وأنزله على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - وحيا، كما قال الله -تعالى-: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)﴾ (1) نزل بلغة العرب، والقرآن: كلام الله لفظه ومعناه، حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف.
هذا هو الصواب الذي تدل عليه النصوص، وهو معتقد أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة والعلماء: أن القرآن كلام الله، صفة من صفاته، منزل غير مخلوق، منه بدء وإليه يعود، هذه العبارة صحيحة، كلام الله منزل غير مخلوق، وكلام الله الحروف والمعاني، الألفاظ والمعاني، كله كلام الله، ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف، خلافا لأهل البدع.
فالمعتزلة والجهمية يقولون: القرآن لفظه ومعناه، ليس صفة من صفات الله، وإنما هو صفة لمخلوق، بل هو مخلوق، القرآن لفظه ومعناه مخلوق، أضيف إلى الله إضافة المخلوق إلى خالقه، كما أضيف العبد والناقة
(1) - سورة الشعراء آية: 193 - 195.