تميل به إلى الشره ، ثم يصعب تداركها ، ولترض من أول الأمر على السداد ، فإن ذلك أهون من أن تدرب على الفساد ، ثم يجتهد في إعادتها إلى الصلاح والله أعلم . وقال الإمام العلامة ابن مفلح في آدابه في قوله تعالى ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ : أي من الشكر عن النعيم فيطالب العبد ، فإذا شكر الله على النعيم ، فإن الله تعالى لا يعاقب على ما أباح ، وإنما يعاقب على ترك مأمور وفعل محذور . قال تعالى : ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ الآية ، فأما السؤال عن النعيم فقيل مختص بالكفار ويعذبون على ترك الشكر وقيل عام وتقدم حديث ابن عباس رضي الله عنهما وقول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ والذي نفسي بيده إن هذا هو النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة ﴾ ثم قوله ﴿ إذا أصبتم مثل هذا فضربتم بأيديكم فقولوا بسم الله ، فإذا شبعتم فقولوا الحمد لله الذي هو أشبعنا وأنعم علينا فأفضل ، فإن هذا كفاف بهذا ﴾ . قال ابن مفلح : ثم النعيم هل هو عام ، أو خاص قولان : الظاهر العموم قال الإمام ابن الجوزي : هو الصحيح فالكافر يسأل توبيخا ، والمؤمن عن الشكر . قال الإمام النووي : سؤال تعداد النعم وإعلام بالامتنان بها لا سؤال توبيخ ومحاسبة . ( الرابع ) : قال الإمام ابن الجوزي قدس الله روحه : من تفكر في أقل نعمة علم أن شكرها لا يستوعبها قال : ولو ذكرنا نعمة واحدة لما أحطنا بحواشيها . .
| مطلب : في أن سبب بقاء الآدمي القوت
. ولكن انظر إلى أن الله سبحانه وتعالى جعل سبب بقاء الآدمي القوت فمن النعمة : المتناول ، والمتبادل ، فأما المتناول فالحب مثلا ، فلو أنك تناولت الموجود فني ولكنه جعله ناشئا بالزرع ، فإذا بذره الحراث افتقروا إلى الميرة وتنقية الأرض من الحشيش وجعل في الزرع قوة يجتذب بها الغذاء إلى نفسه من جهة أصله وعروقه التي في الأرض ، ثم يجتذب ذلك في العروق الدقيقة التي تظهر غليظة الأصول في الورقة ، ثم يستدق إلى عروق شعرية تنبسط في جميع الورقة ، وكما أنك تغتذي بطعام مخصوص إذ الخشب لا يغذيك ، فكذلك النبات يفتقر إلى الماء ، والهواء والتراب ، والحرارة . فانظر كيف سخر له الغيوم وبعث الرياح في وقت الحاجة وسخر حرارة الشمس ، فلما افتقرت الأغذية إلى رطوبة خلق القمر فهو ينضج الفواكه ويصبغها فإذا تكامل البذر افتقر إلى الحصاد ، والفرك والتنقية والطحن ، والعجن ، والخبز ، ولو تأملت ما يفتقر إليه كل شيء من ذلك لطال ؛ لأنك إذا نظرت في آلات الحراث رأيتها محتاجة إلى نجار وحداد وغير ذلك ، فما يستدير رغيف حتى يعمل فيه عالم كثير من الملك الذي يسوق السحاب إلى أن تأكله .