وبقوله : | ^ ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم ) ^ وبقوله عليه الصلاة والسلام ( الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس ) وحملوا قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل ) على الخطرات , وقالوا ما ساكنه العبد وعقد قلبه عليه فهو من كسبه وعمله فلا يكون معفوا عنه | ومن هؤلاء من قال إنه يعاقب عليه في الدنيا بالهموم والغموم , وروي ذلك عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا وموقوفا : قال الحافظ ابن رجب : وفي صحته نظر : وقيل بل يحاسب العبد به يوم القيامة يقفه الله عليه ثم يعفو عنه ولا يعاقبه به , فيكون عقوبته المحاسبة , وهذا مروي عن ابن عباس والربيع بن أنس رضي الله عنهم , وهو اختيار ابن جرير غذاء . | والقول الثاني لا يؤاخذ بمجرد النية مطلقا , ونسب ذلك إلى نص الشافعي وهو قول ابن حامد من أصحابنا عملا غذاء . | انتهى ملخصا . | ومذهب القاضي أبي بكر بن الطيب أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن النفس عليها أثم في اعتقاده وعزمه , وخالفه كثير من الفقهاء والمحدثين كما قال غذاء وانتصر له القاضي عياض بأن مذهب عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين على ما ذهب إليه القاضي أبو بكر للأحاديث الدالة على المؤاخذة بأعمال القلوب , ولكن قالوا إن هذا العزم يكتب سيئة وليست السيئة التي هم بها لكونه لم يعملها وقطعه عنها قاطع غير خوف الله عز وجل والإنابة , لكن نفس الإصرار والعزم معصية فتكتب معصية , فإذا عملها كتبت معصية ثانية , فإذا تركها خشية الله تعالى كتبت حسنة كما في الحديث ( إنما تركها من جرائي ) فصار تركه لها لخوف الله عز وجل ومجاهدته نفسه الأمارة بالسوء في ذلك وعصيانه هواه حسنة . | وأما الهم الذي لا يكتب فالخواطر التي لا توطن النفس عليها ولا يصاحبها عقد ولا نية ولا عزم . | وبهذا ظهر قولنا إن التوبة واجبة على كل مكلف . | وقيل لا تصح توبة غير ; عاص لأنه ليس بذي ذنب يتوب منه . | وقال مولانا الشيخ عبد القادر قدس الله روحه في غذاء : التوبة فرض عين في حق كل شخص , ولا يتصور أن يستغني عنها أحد من البشر , لأنه إن خلا عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنب بالقلب , وإن خلا عنها فلا يخلو عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله عز وجل , فإن خلا عنها فلا يخلو عن غفلة وقصور بالعلم بالله وبصفاته وأفعاله , فلكل حال طاعات وذنوب وحدود وشروط , فحفظها طاعة وتركها معصية والغفلة عنها ذنب , فيحتاج إلى توبة وعزم الرجوع عن التعويج الذي وجد إلى سنن الطريق المستقيم الذي شرع له , فالكل مفتقر إلى توبة , وإنما يتفاوتون في المقادير , فتوبة العوام من الذنوب , وتوبة الخواص من الغفلة , وتوبة خاص الخاص من ركون القلب إلى ما سوى الله عز وجل كما قاله ذو النون المصري وغيره . | قال ابن مفلح : وظاهر كلام بعض أصحابنا وغيرهم صحة التوبة من كل ما حصلت فيه
غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٤٥١
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٤٥١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي