الهم ; لأنه قد عمل بجوارحه معصية وهو التكلم بلسانه . | ويدل عليه حديث الذي قال : لو أن لي مالا لعملت فيه بما عمل فلان , يعني الذي يعصي الله في ماله , قال فهما في الوزر سواء . | ومن المتأخرين من قال لا يعاقب على التكلم بما هم به ما لم تكن المعصية التي هم بها قولا محرما كالقذف والغيبة والكذب , فأما ما كان متعلقها العمل بالجوارح فلا يأثم بمجرد التكلم بما هم به . | وقد يستدل لهذا بحديث أبي هريرة ( وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفر له ما لم يعملها ) ولكن المراد بالحديث هنا حديث النفس جمعا بينه وبين قوله ( ما لم يتكلم به أو يعمل ) وأما إن انفسخت نية العاصي وفترت عزيمته من غير سبب منه فهل يعاقب على ما هم به من المعصية أم لا ؟ هذا على قسمين : أحدهما : أن يكون الهم بالمعصية خاطرا خطر ولم يساكنه صاحبه ولم يعقد قلبه عليه بل كرهه ونفر منه , فهذا معفو عنه وهو كالوساوس الرديئة التي سئل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال ( : ذلك صريح الإيمان ) ولما نزل قوله تعالى : | ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ شق ذلك على المسلمين وظنوا دخول هذه الخواطر فيه , فنزلت الآية التي بعدها وفيها قوله ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ فبينت أن ما لا طاقة لهم به فهو غير مؤاخذ به ولا مكلف به . | القسم الثاني : للعزائم المصممة التي تقع في النفوس وتدوم ويساكنها صاحبها فهذا أيضا نوعان : الأول : ما كان عملا مستقلا بنفسه من أعمال القلوب كالشك في الوحدانية أو النبوة أو البعث أو نحو ذلك من أصول الكفر والنفاق , فهذا يعاقب عليه العبد ويصير به كافرا ومنافقا , ويلتحق بهذا سائر المعاصي المتعلقة بالقلوب كمحبة ما يبغضه الله وبغض ما يحبه , والكبر والعجب والحسد وسوء الظن بالمسلم من غير موجب , على أنه روي عن سفيان أنه قال في سوء الظن إذا لم يترتب عليه قول أو فعل فهو معفو . | وكذلك روي عن الحسن في الحسد . | قال , الحافظ ابن رجب : ولعل هذا محمول من قولهما على ما يجده الإنسان ولا يمكنه دفعه فهو يكرهه ويدفعه عن نفسه ولا يندفع , لا على ما يساكنه ويستروح إليه ويعيد حديث نفسه به ويبديه . | والثاني : ما لم يكن من أعمال القلوب بل كان من أعمال الجوارح , كالزنا والسرقة وشرب الخمر والقتل والقذف ونحو ذلك إذا أصر العبد على إرادة ذلك والعزم عليه ولم يظهر له أثر في الخارج أصلا , فهذا في المؤاخذة به قولان مشهوران للعلماء : أحدهما يؤاخذ به . | قال ابن المبارك : سألت سفيان الثوري أيؤاخذ العبد بالهمة ؟ فقال إذا كانت عزما أوخذ بها . | ورجح هذا القول كثير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من أصحابنا وغيرهم , واستدلوا له بقوله تعالى : | ^ ( واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ) ^ ( البقرة : 235 )
غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٤٥٠
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٤٥٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي