تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وصيامهم كجوع البهائم . | وذكرهم كرغاء البعير الهائم . | فأين هذه الحالة من حالة من يتضجر لعدم وفاء إخوانه , وأقرانه وأخدانه ؟ ! . |

| 3 ( مطلب قصة الهذلي مع السفاح ) 3

وقد قيل إن أبا العباس السفاح كان يحدث أبا بكر الهذلي يوما إذ عصفت الريح فأرمت طستا من سطح إلى المجلس , فارتاع من حضر ولم يتحرك غذاء ولم تزل عينه مطابقة لعين السفاح , فقال ما أعجب شأنك يا هذلي . | فقال إن الله تعالى يقول : | ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ وأنا لي قلب واحد ; فلما غمر بمحادثة أمير المؤمنين لم يكن فيه لمحادثة غيره مجال فلو انقلبت الخضراء على الغبراء ما حسست بها ولا وجهت لها قلبي . | فقال السفاح لئن بقيت لأرفعن مكانك . | ثم أمر له بمال جزيل وصلة كبيرة فانظر بالله عليك واعتبر استغراق قلب هذا الرجل وانغماره بمحادثة مخلوق مثله وزن حاله بحال وقوفك في الصلاة بين يدي الله , وقد نصب لك وجهه الكريم , ورفع من بينك وبينه الحجب . | فهل تجد قلبك منغمرا ومستغرقا في جمال الله وجلاله كاستغراق قلب غذاء في محادثة السفاح . | فيا ويل من لم يعرف خالقه ولم خلقه ؟ ولم يقم بما أمر إن لم يعف ويغفر والله الموفق . | . | ( الثانية ) جملة الذين نهى الناظم عن صحبتهم ثلاثة : الهماز , والبذي , والأحمق . | وتقدم في أثر علي رضي الله عنه أنه نهى عن صحبة الفاجر أيضا والكذاب . | وكذا ينبغي أن لا تصاحب العاق لوالديه وقاطع الرحم . | وقد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : لا تودن عاقا كيف يودك وقد عق أباه . | وكذا قاطع الرحم . | وقد قال أبو العتاهية : |

% من ذا الذي ترتجي الأقاصي % % إن لم تنل خيره الأداني % % ولكن الناظم لم يسبر من لا تنبغي صحبتهم . | ولم يستقص عدهم . والحاصل أنه لا ينبغي للعاقل أن يصاحب شريرا مطلقا . | ومن ثم قال بعض العلماء : ينبغي فيمن تؤثر صحبته خمس خصال : أن يكون عاقلا . حسن الخلق , غير فاسق , ولا مبتدع , ولا حريص على الدنيا , انتهى . | وضابط ذلك كل من لم تستفد من صحبته شيئا فتركه أولى ; وكل من تضرك صحبته في دينك فتركه واجب . | وكذا في دنياك ضررا له قيمة حيث كان لك منه بد . | ودفع المضار مقدم على جلب المنافع . | ويدفع أشد الضررين بأخفيهما . | والله تعالى أعلم .

غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٣٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٣٨١