ولما كان لا يستغني كل إنسان عن مخالطة أبناء الزمان , إذ الإنسان مدني بالطبع ومفتقر لأبناء جنسه بالوضع , بين لك الناظم من تخالط مع استعمال الحمية عن التخليط , واستصحاب اليقظة من التخبيط , والتحرز من التفريط . فقال : |
| 3 ( مطلب في مخالطة أهل التقى والتعبد وفيه بيان معنى التوفيق ) 3
% وخالط إذا خالطت كل موفق % من غذاء أهل التقى والتعبد % ( وخالط ) أيها الأخ المسترشد والمستغيث المستنجد ( إذا خالطت ) أحدا من أبناء زمانك , وعاشرت شخصا من إخوانك وأخدانك , ولم تقدر على استدامة العزلة , أو احتجت لإصلاح بعض أمور دينك على يد إمام راسخ رحله ( كل ) مفعول خالط ( موفق ) لطرق الخيرات , مهتد لسبل السعادات , مسدد في الحركات والسكنات , غير مخذول ولا مفرط , ولا جهول ولا مخلط , والتوفيق مصدر وفق يوفق . قال الإمام المحقق ابن القيم في شرح منازل السائرين : التوفيق إرادة الله من نفسه أن يفعل بعبده ما يصلح به العبد بأن يجعله قادرا على فعل ما يرضيه مريدا له محبا له مؤثرا له على غيره , ويبغض إليه ما يسخطه ويكرهه , وهذا مجرد فعله تعالى والعبد محله . قال وفسرت القدرية التوفيق بأنه خلق الطاعة , والخذلان خلق المعصية , انتهى . | وقالت المعتزلة : التوفيق خلق لطيف يعلم الرب تعالى أن العبد يؤمن عنده والخذلان محمول على امتناع اللطف . حكاه أبو المعالي في الإرشاد . وقال القاضي علاء الدين غذاء في شرح التحرير : وفق أي سهل طريق الخير والطاعة , والموفق اسم فاعل هو صفة من صفات الله تعالى , سمي به ; لأنه يوفق العباد أي يرشدهم ويهديهم إلى طاعته , مأخوذ من الوفق والموافقة وهي التحام بين الشيئين . وقال غذاء : التوفيق من الله خلق قدرة الطاعة وتسهيل سبيل الخير , وعكسه الخذلان . |
| 3 ( مطلب مقام العبودية أشرف المقامات ) 3
فأرشد الناظم رحمه الله تعالى أن الإنسان إذا خالط فلتكن خلطته لموفق من الله سبحانه لما فيه سعادته ونجاته , وأن يكون ذلك الموفق ( من غذاء ) جمع عالم وهو المتصف بالعلوم الشرعية وقصره لضرورة الوزن , وذلك لأجل استفادته معرفة الأحكام , من الحلال والحرام , وإصلاح دينه , ورسوخه وتمكينه ( أهل التقى ) صفة لازمة أو كاللازمة للعلماء ( و ) أهل ( التعبد ) والخضوع , والذل والخشوع , ورفع الأيدي وسفح الدموع , بين يدي عالم السر والنجوى , وكاشف الضر والبلوى , وهذه من صفات علماء الآخرة الذين علومهم زاخرة , ونفوسهم طاهرة , ومقام العبودية اختاره المصطفى صلى الله عليه وسلم لنفسه على مقام الملك وهو مقام عظيم , وصف الله سبحانه نبيه به في أشرف مقاماته كمقام التنزيل في قوله