له من رياضة ; والآدمي كالفرس إذا أنتج لا بد له من رائض , فإن كان عربيا حركت الرياضة أصله الجيد فظهر جوهره , كما أن المس يؤثر في الفولاذ , وإن كان كوذنا منعت بعض أخلاقه الرديئة , كما أن الحديد قد يقطع , وكذلك بنو آدم , فمنهم من خلق على صفة حسنة تؤدبه نفسه ويقومه عقله , فتأتي الرياضة بتمام التقويم وكمال التعليم . ومنهم من يقل ذلك في جوهره فيفتقر إلى زيادة رياضة , ويترك المحبوبات على كره , ولا بد من رياضة هذا ليفارق المؤذي كيف اتفق . والرياضة ينبغي أن تعمل في جميع الأشياء , فتؤثر في حق الشره تقليل المطعم إلى أن يعود إلى حالة الاعتدال , وأخذ ما يصلح , ولا بد من إعطاء النفس ما يوافقها في مصالحها , فقد قال عليه الصلاة والسلام ( إن لنفسك عليك حقا ) وكذلك الشره في النكاح وجمع المال وغير ذلك نرده بالرياضة عما يؤذي , ونأمر المتكبر بالتواضع , ونأمر السيء الخلق بالاحتمال والصفح , وإن شق عليه . وقال الإمام ابن القيم في روضة المحبين : الهوى ميل النفس إلى ما يلائمها , وهذا الميل خلق في الإنسان لضرورة بقائه , فإنه لولا ميله إلى المطعم والمشرب والمنكح ما أكل ولا شرب ولا نكح فالهوى ساحب له لما يريده , كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذيه , فلا ينبغي ذم الهوى مطلقا ولا مدحه مطلقا , وإنما يذم المفرط من النوعين وهو ما زاد على جلب المنافع ودفع المضار . ولما كان الغالب ممن يطيع هواه وشهوته وغضبه أنه لا يقف فيه على حد المنتفع به , أطلق ذم الهوى والشهوة والغضب لعموم غلبة الضرر ; لأنه يندر من يقصد العدل في ذلك ويقف عنده , كما أنه يندر في الأمزجة المزاج المعتدل من كل وجه , بل لا بد من غلبة أحد الأخلاط والكيفيات عليه , فحرص الناصح على تعديل قوة الشهوة والغضب من كل وجه كحرص الطبيب على تعديل المزاج من كل وجه , وهذا أمر يتعذر وجوده إلا في حق أفراد من العالم , فلذلك لم يذكر الله تعالى الهوى في كتابه إلا ذمه , وكذلك في السنة لم غذاء إلا مذموما إلا ما جاء منه مقيدا كقوله صلى الله عليه وسلم ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ) وتقدم التنصيص على هذا , وقد قيل : الهوى كمين لا يؤمن ومطلقه يدعو اللذة الحاضرة من غير فكر في العاقبة , ويحث على نيل الشهوات عاجلا , وإن كانت سببا لأعظم الآلام أجلا وربما يكون عاجلا أيضا . فالهوى والنفس والشيطان والدنيا يدعون إلى ما فيه البوار . ويعمين عين البصيرة عن النظر في العواقب وما يغضب ويرضي الجبار . | والدين والمروءة والعقل والروح ينهين عن لذة تعقب ألما , وشهوة تورث ندما . | ولما ابتلي المكلف وامتحن بالهوى من بين سائر البهائم , وكان كل وقت تحدث عليه الحوادث جعل فيه حاكمان حاكم العقل وحاكم الدين | وينبغي للعاقل أن يتمرن على دفع الهوى المأمون العواقب , ليتمرن بذلك على ترك ما
غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٣٥٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٣٥٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي