تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت صورة النكاح تأباها النفوس الشريفة من كشف العودة ، وملاقاة ما لا يستحسن لنفسه جعلت الهوة تحت ليحصل المقصود . ثم هذا المقصود الأصلي يتبعه شيء آخر وهو استفراغ هذا الماء الذي يؤذي احتقانه ، فإن المني ينفصل من الهضم الرابع ، فهو أحد الذخائر للنفس ، فإنها تدخر لبقائها وقوتها الدم المني ثم تدخر التفل الذي هو من أعمدة البدن كأنه لخوف عدم غيره ، فإذا ازداد اجتماع المني أقلق على نحو اقلاق البول للحاقن ، إلا أن اقلاقه من حيث المعنى أكثر من اقلاق من حيث الصورة فتوجب كثرة اجتماعه وطول احتباسه أمراضا صعبة ، لأنه يرتقي من بخاره إلى الدماغ فيؤذي وربما أحدث سمية ، ومتى كان المزاج سليما فالطبع يطلب بروز الاحتباس أوجب أمراضا ، وجدد أفكارا ، وجلب العشق والوسوسة ، إلى غير ذلك من الآفات . قال : وقد نجد صحيح المزاج يخرج ذلك إذا اجتمع وهو بعد متقلقل ، فكأنه الآكل الذي لا يشبع قال : فبحث عن ذلك فرأيته وقوع الخلل في المنكوح ، أما لدمامته وقبح منظره ، أو لآفة فيه ، أو لأنه غير مطلوب للنفس ، فحينئذ يخرج منه ويبقى بعضه ، فإذا أردت معرفة ما يدلك على ذلك فقس مقدار خروج المني في محل النكاح ، وكوطء البكر بالإضافة إلى وطء الثيب . فعلم حينئذ أن تخير المنكوح يستقصي فضول المني ، فيحصل للنفس كمال اللذة لموضع كمال بروز الفضول . ثم قد يؤثر هذا في الولد أقوى منه من غيرهما أو من المدمن على النكاح في الأغلب ، ولهذا كره نكاح الأقارب لأنه مما يقبض النفس عن انبساطها فيتخيل الإنسان أنه ينكح بعضه ، ومدح نكاح الغرائب لهذا المعنى . | إلى أن قال : فمن أراد نجابة الولد وقضاء الوطر فليتخير المنكوح بأن ينظر إلى المخطوبة ، فإذا وقعت في نفسه فليتزوجها ، ولينظر في كيفية وقوعها في نفسه فإن علامتها تعلق بالقلب بحيث لا يكاد يصرف الطرف عنها ، فإذا انصرف الطرف قلق القلب وتقاضى النظرة . فهذا الغاية ودونه مراتب على مقاديرها يكون بلوغ الأغراض . قال : ومن قدر على مناطقة المرأة أو مكالمتها بما يوجب التنبيه ثم ليرى ذلك منها ، فإن الحسن في الفم والعينين فليفعل . قال : وقد نص الإمام أحمد رضي الله عنه على جواز أن يبصر الرجل من المرأة التي يريد نكاحها ما هو عورة يشير إلى ما يزيد على الوجه . ومن قدر على أن يؤخر العقد لينظر كيف توقان النفس ، فإنه لا يخفى على العاقل توقان نفسه لأجل المستجد وتوقانها لأجل الحب ، فإذا رأى قلق الحب أقدم . | ثم ساق بسنده إلى عطاء الخراساني قال : مكتوب في التوراة كل تزويج على غير هوى حسرة وندامة إلى يوم القيامة .

غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٣٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٣٢٣