لبن ، وجرعة من ماء ، ونحو ذلك ، طبخته الكبد ، فأخرجت منه قطرات مني فاستقرت في الأنثيين ، فحركتها الشهوة ، فبقيت في بطن الأم مدة حتى تكاملت صورتها ، فخرجت طفلا تتقلب في خرق البول . وأما آخره فإنه يلقى في التراب فيأكله الدود ، ويصير رفاتا تسفيه السوافي . وكم يخرج تراب بدنه من مكان إلى مكان آخر ، ويقلب في أحوال إلى أن يعود فيجمع . وأما الروح فإن تجوهرت بالأدب ، وتقومت بالعلم ، وعرفت الصانع ، وقامت بحقه ، فلا يضرها نقض المركب . وإن هي بقيت على طبعها من الجهالة شابهت الطين ، بل صارت إلى أخس حالة منه . وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور : اعتبرت على أكثر العلماء والزهاد أنهم يبطنون الكبر . فهذا ينظر في موضعه وارتفاع غيره عليه ، وهذا لا يعود مريضا فقيرا يرى نفسه خيرا منه ، حتى رأيت جماعة يومأ إليهم ، منهم من يقول : لا أدفن إلا في دكة الإمام أحمد بن حنبل . ويعلم أن في ذلك كسر عظام الموتى ، ثم يرى نفسه أهلا لذلك ، ومنهم من يقول : ادفنوني إلى جانب مسجدي ظنا منه أنه يصير بعد موته مزورا كمعروف ، ولا يعلمون قول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ من ظن أنه خير من غيره فقد تكبر ﴾ وقل ما رأيت إلا وهو يرى نفسه . والعجب كل العجب ممن يرى نفسه . أتراه بماذا رآها . إن كان بالعلم فقد سبقه العلماء . أو بالتعبد فقد سبقه العباد . أو بالمال فالمال لا يوجب بنفسه فضيلة دينية . فإن قال : عرفت ما لم يعرف غيري من العلم في زمني فما علي ممن تقدم . قيل له : ما نأمرك يا حافظ القرآن أن ترى نفسك في الحفظ كمن يحفظ النصف ، ولا يا فقيه أن ترى نفسك في العلم كالعامي إنما نحذر عليك أن ترى نفسك خيرا من ذلك الشخص المؤمن وإن قل علمه ، فإن الخيرية بالمعاني لا بصور العلم والعبادة . ومن تأمل خصال نفسه وذنوبها علم أنه على يقين من الذنوب والتقصير ، وهو من حال غيره على شك ، فالذي نحذر منه الإعجاب بالنفس ورؤية التقدم في أحوال الآخرة . والمؤمن لا يزال يحتقر نفسه . وقد قيل لعمر بن عبد العزيز إن مت ندفنك في حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : لأن ألقى الله بكل ذنب غير الشرك أحب إلي من أن أرى نفسي أهلا لذلك . قال - أي ابن الجوزي - : وقد روينا أن رجلا من الرهبان رأى في المنام قائلا يقول له : فلان الإسكاف خير منك ، فنزل من صومعته فجاء إليه فسأله عن عمله ، فلم يذكر له كبير عمل . فقيل له في المنام عد إليه ، وقل له : مم صفرة وجهك ؟ فعاد فسأله ، فقال : ما رأيت مسلما إلا وظننته خيرا مني ، فقيل له : فبذاك ارتفع . | انتهى .
غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ١٧٨
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ١٧٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي