الغاية فجعلوا ما نسج بالحرير وغيره مسألة مستقلة وهذه اعتبروا فيها الظهور ، فما غلب ظهوره كان الحكم له وحينئذ تشمل ثلاث صور ؛ لأنه إما أن يسدى بالحرير وغيره ويلحم كذلك ، أو يسدى بغير الحرير ويلحم به ، أو يسدى بغير الحرير ويلحم به وبغيره . فهذه الثلاث صور نعتبر فيها أغلبية الظهور ، فإن كان الغالب ظهورا الحرير حرم وإلا فلا . ثم قالوا : ولا يحرم خز فجعلوها مسألة مستقلة بنفسها غير المسألة الأولى ، وعطفوها بالواو ولم يعتبروا فيها الظهور ، بل أطلقوا إباحة ما سدي بالحرير وألحم بغيره ، ولو كان ما قاله المحقق النجدي مرادا لقيدوه بملاحظة قيد ما تقدم ، أو كان الشراح نبهوا عليه . وكان الأصوب في عباراتهم تأخير هذا القيد عن المسألة ، فكانوا يقولون : ويباح الخز وما نسج من حرير وغيره إذا كان غير الحرير أغلب ظهورا ، أو كان الحرير وغيره سيان . فلما فصلوا هذه المسألة وأخروها عن القيد علمنا أنهم غير معتبرين هذا القيد . وأيضا أي فائدة في التنصيص على هذه المسألة مع ملاحظة هذا القيد ، فإنها لم تفدنا شيئا ، إذ هي نسج حرير وغيره ، فيكون ذكرها بعدما ذكروه أولا تكرارا بلا فائدة ، إذ لا اختلاف بينهما لا معنى ولا حكما مع اعتنائهم بالاختصار . ألا ترى أنهم حذفوا مسألة الملحم لما شملته العبارة الأولى ، وهذا ظاهر لمن تأمل بالإنصاف . وأما استدلال النجدي بكلام الحجاوي ، فإنه إنما ذكره عند قول الناظم من مصمت زد . قال : يعني إنما يحرم لبس الحرير المصمت أي الصرف الذي ليس معه غيره ، فإن نسج مع غيره فالحكم للأكثر ظهورا ، فإن كان الأكثر ظهورا الحرير حرم ، وإن استويا ظهورا ، أو وزنا ففيه وجهان ، المذهب الإباحة انتهى . ونحن لا نشك أن مراد الحجاوي في شرح الآداب هو ما صرح به في إقناعه ، وحينئذ يرجع إلى ما قررنا من أنه نسج الحرير مع غيره في غير ما إذا سدي بالحرير وألحم بغيره كما في إقناعه ، ثم هو مأخذ كلامه من الآداب الكبرى وعبارته : قال غير واحد من أصحابنا : ويباح الخز نص عليه ، وهو حرير ووبر طاهر من أرنب أو غيره ، وقال بعضهم : لا بأس بلبس الخز نص عليه ، وجعله ابن عقيل كغيره من الثياب المنسوجة من الحرير وغيره . وفرق الإمام أحمد بينهما بأن هذا لبسه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذاك محدث . ذكره في رواية صالح . وفي رواية بكر أومأ إلى فرق آخر ، وهو أن الخز لا سرف فيه ولا خيلاء ، وهذا صريح في عدم التسوية بين ما نسج أي من الحرير وغيره وبين الخز الذي سدي بالحرير وألحم بغيره . وعلى كلام النجدي لا فرق بينهما في الحكم ، وهو خلاف نص الإمام . قلت : وأصرح من هذا ما ذكره الإمام العلامة خاتمة المرجحين القاضي علاء الدين في تصحيح الفروع قال : قوله : وكذا الخز عند ابن عقيل وغيره وأباحه أحمد انتهى ، يعني أن الخز عند ابن عقيل وغيره كالحرير في الحكم المتقدم . فعلى قول ابن عقيل يكون فيه
غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ١٥٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ١٥٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي