تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المأمون : صف لي كيف كان شأنهم في مصر فقال له : يا أمير المؤمنين لما أخذت الفرس الملك من أيدي الفراعنة قتلوا القبط فلم يبق منهم إلا من اصطنعته أيدي الهرب واختفى وتعلموا كتابا وأطباء وحسابا , فلما ملكت الروم كانوا هم سببا لإخراج الفرس عن ملكهم , وأقاموا في مملكة الروم إلى أن ظهرت كلمة المسيح , ثم أنشده القصيدة , وهي : |

% يا عمرو قد ملكت يمينك مصرنا % % وملكت فيها العدل , والأقساطا %

% فاقتل بسيفك من تعدى طوره % واجعل فتوح سيوفك الأقباطا %

% فيهم أقيم الجور في جنباتها % % ورأى الأنام النفي , والإفراطا %

% عبدوا الصليب وثلثوا لاهوتهم % وتوازروا وتعدوا الأشراطا %

% لا تركنن إلى النصارى إنهم % شعب على دين الإله تعاطا %

% واذكر أمير المؤمنين وقوله % إن كنت في طاعاته محتاطا %

% لا تقبلن لمشرك عهدا ولا % % ترعى له ذمما ولا أخلاطا % % فأوغر صدر أمير المؤمنين عليهم , فلما عاد إلى بغداد اتفق أنهم أساءوا إلى الكسائي الاعتماد وجاهروه بالبغي , والفساد , فلما قرأ المأمون قوله تعالى | ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴾ . , فقال له الكسائي : أيقرأ أمير المؤمنين كتاب الله ولا يعمل به , فعند ذلك أمر بصرف أهل الذمة من جميع الأعمال بالمملكة الإسلامية , واتفق في أيام ذلك أنه دخل بعض الفضلاء على المأمون وعنده ذمي في مجلسه له حرمة ووقار , فاستأذنه الفاضل في إنشاد بيتين من الشعر , فأذن له فأنشد : |

% يا ابن الذي طاعته في الورى % % وحبه مفترض واجب %

% إن الذي شرفت من أجله % يزعم هذا أنه كاذب % فقال : أصحيح ما يقول هذا ؟ فقال : نعم يا أمير المؤمنين فأمر بقتله فأسلم اليهودي وذكر السلطان المذكور في الكتاب المزبور : أن النصارى في زمن الآمر بالله اشتدت شوكتهم وامتدت أيديهم إلى المسلمين بالأذية وإيصال الأذى إليهم لا سيما أرباب الدين , وأجلس كاتبا منهم يعرف بالراهب , ويلقب بالأب القديس , فصادر جماعة من أعيان مصر وامتدت يده إلى عامة المسلمين , فلامه بعض أهله على قبيح فعله وما يبدو منه للخاصة , والعامة إشفاقا عليه , فكان جوابه نحن ملاك هذه البلاد حرثا وخراجا , وإنما ملكها المسلمون منا وتغلبوا علينا وغصبونا واستمسكوها من أيدينا . | فنحن مهما فعلنا بالمسلمين فهو قبالة ما فعلوه بنا , وجميع ما نأخذه من أموال المسلمين فهو حل لنا وبعض ما نستحقه , فإذا حملنا إليهم مالا كانت المنة لنا عليهم , ثم أنشد : |

% بنت كرم غصبوها أهلها % % وأهانوها بدوس بالقدم % %

غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ١٤