النبوة ، والكتاب ، وهو شيخ الأنبياء كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك . فإنه صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة وجد المشركين قد صوروا فيها صورته وصورة إسماعيل ابنه ، وهما يستقسمان بالأزلام . فقال : قاتلهم الله لقد علموا أن شيخنا لم يكن يستقسم بالأزلام . فهو صلى الله عليه وسلم أول من ضيف الضيف ، وأول من سمي أبا الضيفان . قال الغزالي في الإحياء : كان إبراهيم الخليل عليه السلام إذا أراد الأكل خرج ميلا ، أو ميلين يلتمس من يأكل معه فبصدق نيته دامت ضيافته في مشهده إلى يومنا هذا ، وهو أول من بنى دار الضيافة ، وجعل لها بابين كما أخرجه العسكري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن الله وسع على خليله في المال ، والخدم فاتخذ بيتا للضيافة له بابان ؛ يدخل الغريب من أحدهما ويخرج من الآخر وجعل في ذلك البيت كسوة الشتاء والصيف ، ومائدة منصوبة عليها طعام فيأكل الضيف ويلبس إن كان عريانا ، ويجدد إبراهيم عليه السلام . وفد أثنى الله تعالى عليه في كتابه العزيز في إكرام ضيفه من الملائكة حيث يقول سبحانه ﴿ : هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون ﴾ ففي هذا من الثناء على سيدنا إبراهيم وجوه متعددة : أحدها : وصف ضيفه بأنهم مكرمون ، وهذا على أحد القولين أنه إكرام إبراهيم لهم ، والثاني : أنهم المكرمون عند الله ولا تنافي بين القولين . الثاني : قوله تعالى ﴿ إذ دخلوا عليه ﴾ فلم يذكر استئذانهم ؛ لأنه قد عرف بإكرام الضيفان واعتاد قراهم فبقي منزل ضيفه مطروقا لمن ورده لا يحتاج إلى استئذان ، بل استئذان الداخل دخوله . وهذا غاية ما يكون من الكرم . الثالث : قوله لهم ( سلام ) بالرفع وهم سلموا عليه بالنصب . والسلام بالرفع أكمل ؛ لأنه يدل على الجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام ، والمنصوب يدل على الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد ، فقد حياهم بتحية أحسن من تحيتهم ، فإن قولهم سلاما يدل على سلمنا سلاما . وقوله سلام أي سلام عليكم . الرابع : أنه حذف المبتدأ من قوله ﴿ قوم منكرون ﴾ فإنه لما أنكرهم ولم يعرفهم احتشم من مواجهتهم بلفظ ينفر الضيف لو قال أنتم قوم منكرون . الخامس : بناء اسم المفعول للمجهول ولم يقل إني أنكركم : وهو أحسن في هذا المقام وأبعد من التنفير ، والمواجهة بالخشونة . ( السادس ) : أنه عليه السلام راغ إلى أهله ليجيئهم بنزلهم . والروغان هو الذهاب في اختفاء بحيث لا يكاد يشعر به الضيف فيشق عليه ويستحي بخلاف من لم يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام .
غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ١١٥
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ١١٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي