مسروقة من الرهبانية . وأنا خائف من قوله تعالى ﴿ لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ﴾ ولا يحفظ عن أحد من السلف الأول من الصحابة من هذا الفن شيء إلا أن يكون ذلك لعارض وسبب ، مثل ما يروى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه اشتهى شيئا فآثر به فقيرا وأعتق جاريته رميثة ، وقال : إنها أحب الخلق إلي فهذا وأمثاله حسن ؛ لأنه إيثار بما هو أجود عند النفس من غيره وأكثر لها من سواه ، فإذا وقع في بعض الأوقات كسرت بذلك الفعل سورة هواها أن تطغى بنيل كل طريد ، فأما من دام على مخالفتها على الإطلاق ، فإنه يعمي قلبها ويبلد خواطرها ويشتت عزائمها فيؤذيها أكثر مما ينفعها ، وقد قال إبراهيم بن أدهم قدس الله روحه : إن القلب إذا أكره عمي قال ابن الجوزي : وتحت مقالته سر لطيف ، وهو أن الله عز وجل قد وضع طبيعة الآدمي على معنى عجيب ، وهو أنها تختار الشيء من الشهوات ما يصلحها فيعلم باختيارها له صلاحه لها وصلاحها به . وقد قال حكماء الطب : ينبغي أن يفسح النفس فيما تشتهي من المطاعم ، وإن كان فيه نوع ضرر ؛ لأنها إنما تختار ما يلائمها ، فإذا قمعها الزاهد في مثل هذا عاد على بدنه بالضرر ، ولولا جواذب في الباطن من الطبيعة ما بقي البدن ، فإن الشهوة للطعام تثور ، فإذا وقعت الغنيمة بما يتناول كفت الشهوة ، فالشهوة نعم الباعث على مصلحة البدن غير أنها إذا أفرطت وقع الأذى ومتى منعت ما تريد على الإطلاق مع الأمن من فساد العاقبة عاد ذلك بفساد أحوال النفس ووهن الجسم واختلاف السقم الذي يتداعى به الجهلة مثل أن منعها الماء عند اشتداد العطش ، والغذاء عند الجوع ، والجماع عند قوة الشهوة والنوم عند غلبته ، حتى أن المغتم إذا لم يتروح بالشكوى قتله الكمد . فهذا أصل إذا فهمه هذا الزاهد علم أنه قد خالف طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من حيث النقل وخالف الموضوع في الحكمة . قال الإمام ابن الجوزي : ولا يلزم : على هذا قول القائل من أين يصفو المطعم ؟ ؛ لأنه إذا لم يصف كان الترك ورعا ، وإنما الكلام في المطعم الذي ليس فيه ما يؤذي في باب الورع وكان ما شرحته جوابا للقائل ما أبلغ نفسي شهوة على الإطلاق . قال : والوجه الثاني أني أخاف على الزاهد أن تكون شهوته انقلبت إلى الترك فصار يشتهي أن لا يتناول وللنفس في هذا مكر خفي ورياء دقيق ، فإن سلمت من الرياء للخلق كانت الآفة من جهة تعلقها بمثل هذا الفعل وإدلالها في الباطن به ، فهذه مخاطرة قال وربما قال بعض الجهال هذا صد عن الخير والزهد وليس كذلك ، فإن الحديث قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ﴿ : كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ﴾ . ولا ينبغي أن يغتر بعبادة فلان ولا بتقوى فلان ، إلى أن قال : أصل الأصول العلم ، وأنفع العلم النظر في سير الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ﴿ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ﴾ . وقال في محل آخر من صيد الخاطر : علف الناقة متعين لقطع المنزل ، ألا ترى إلى
غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ١٠٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ١٠٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي