تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| وحاصل ما عند الصوفية على ما في حل الرموز وغيره من كتبهم أن السماع ينقسم إلى ثلاثة أقسام , منه ما هو حرام محض , وهو لأكثر الناس من الشباب ومن , غلبت عليهم شهوتهم , وملكهم حب الدنيا , وتكدرت بواطنهم , وفسدت مقاصدهم فلا يحرك السماع منهم إلا ما هو الغالب عليهم وعلى قلوبهم من الصفات المذمومة , لا سيما في زماننا هذا وتكدر أحوالنا وفساد أعمالنا . | وقد روي من الجنيد قدس الله سره أنه ترك السماع في آخر عمره , فقيل له كنت تسمع أفلا تسمع ؟ قال مع من ؟ فقيل له أنت تسمع لنفسك , فقال ممن , فالسماع لا يحسن إلا بأهله ومع أهله ومن أهله , فإذا انعدم أهله واندرس محله فيجب على العارف تركه . | ومنه ما هو مباح وهو لمن لاحظ له منه إلا التلذذ بالصوت الحسن واستدعاء السرور والفرح , أو يتذكر به غائبا أو ميتا فيثير حزنه فيتروح بما يسمعه . | ومنه ما هو مندوب وهو لمن غلب عليه حب الله تعالى والشوق إليه , فلا يحرك السماع منه إلا الصفات المحمودة كما مر . | وحاصل ذلك أن من سمع فظهرت عليه صفات نفسه وذكر لها حظوظ دنياه واستثار بسماعه وساوس هواه , فالسماع عليه حرام محض . | ومن سمع فظهر له ذكر ربه , وخوفه من ذنبه , وتذكر آخرته , فأنتج له ذلك الذكر شوقا إلى الله تعالى وخوفا منه ورجاء لوعده وحذرا من وعيده , فسماعه ذكر من الأذكار عندهم . | هذا حاصل مقالاتهم وإن تنوعت , ومعنى إشاراتهم وإن تشعبت . | وهذا وأمثاله عند أهل العلم غير منظور إليه , ولا ملتفت له , ولا معول عليه . | قال الإمام المحقق ابن القيم في إغاثة اللهفان : قال أبو بكر الطرطوشي وهذه الطائفة يعني الصوفية مخالفة لجماعة المسلمين , لأنهم جعلوا الغناء دينا وطاعة , ورأت إعلانه في المساجد والجوامع وسائر البقاع المشرفة والمشاهد الكريمة من أشرف البضاعة قال وليس في الأمة من رأى هذا الرأي . | وأنشد بعض العلماء : |

% ألا قل لهم قول عبد نصوح % وحق النصيحة أن تستمع %

% متى علم الناس في دينهم % بأن الغنا سنة تتبع %

% وأن يأكل المرء أكل الحمار % ويرقص في الجمع حتى يقع %

% وقالوا سكرنا بحب الإله % وما أسكر القوم إلا الفضع %

% كذاك البهائم إن أشبعت % يرقصها ربها والشبع %

% ويسكره الناي ثم الغنا % % و يس لو تليت ما انصدع %

% فيا للعقول ويا للنهى % % ألا منكر منكمو للبدع %

% تهان مساجدنا بالسماع % وتكرم عن مثل ذاك البيع %

غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ١ · الصفحة ١٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ١ · ص ١٢٩