ثم إن فرنسيس الأول تخلص من أسره بموجب معاهدة مجريط، ولكنه لم يعدل عن خطته من جهة محالفة السلطان سليمان وكتب إليه يشكره قائلا له: إننا مغتبطون بما نراه من كرم أخلاقك، وما وعدتنا به من المساعدة في حالتنا الحرجة ... إلخ، ثم أخذ فرنسيس الأول يجتهد في إقناع شعبه بأن تقربه إلى العثمانيين يكون وسيلة لنشر نفوذ فرنسا في الشرق، ومحافظتها على المسيحيين الذين هناك، وقد حصل بالفعل على امتيازات عديدة للفرنسيس بموجب الخط الشريف السلطاني المؤرخ في 20 سبتمبر سنة 1528، فإن السلطان سمح للفرنسيس والكتالان أن يجولوا في مصر ويتجروا كما يشاءون، وأنهم في الخصومات التي بينهم يراجعون قناصلهم فيما عدا الدم، إذ يبقى الحكم فيه لقضاء الشرع، وأذن للفرنسيس والكتالان بإنفاذ وصاياهم وأن القناصل يحررون التركات، وغير ذلك من الامتيازات التي تساهل فيها السلطان ليتخذ من فرنسا ردءا ضد ألمانية.
ثم إنه جرى كلام بين فرنسا والسلطان بموجبه يتولى أحد أولاد ملك فرنسا على عرش المجر، وكانت الحرب قد اشتعلت بين المجر والعثمانيين، فكان العثمانيون من جهة ومعهم الأمير «سابوليا الترانسلفاني» المولى من قبلهم على المجر والمجر والنمسويون من جهة أخرى، فانكسر سابوليا ودخل فرديناند أخو شارلكان إلى بودابست، فزحف الجيش الإسلامي بقيادة إبراهيم باشا وكان الجيش مئتين وخمسين ألف مقاتل، فدخل العثمانيون بودابست وأعادوا سابوليا إلى الملك وجاء أمير البغدان وخضع للسلطان، وسار السلطان سليمان في شهر سبتمبر سنة 1529 إلى فيينا يحاصرها ومعه مئة وعشرون ألف مقاتل، وأربع مئة مدفع ولاقاه في نهر الطونة ثمان مئة قلع، ولم يكن في فيينا أكثر من ستة عشر ألف مقاتل، واثنين وسبعين مدفعا، ولم تكن الأسوار متينة، ولكن خوف الألمان على بلادهم بعث فيهم حمية خارقة للعادة فصدوا هجمات العثمانيين كلها، ويقال إن السلطان خسر في هذا الحصار أربعين ألف جندي، واضطر إلى الرجوع خائبا، وهي أول خيبة عرفتها جيوش سليمان القانوني.
ولما رجع السلطان إلى بودابست توج سابوليا ملكا على المجر، وكان فرديناند أخو شارلكان يسعى في استمالة إبراهيم باشا حتى يقنع السلطان بقبوله ملكا محل سابوليا، فعرض على إبراهيم باشا الرشوة فلم يجبه إلى شيء، وبقيت الحرب تشتعل، وفي سنة 1532 استولى العثمانيون على غون
Guns
بعد حصار شديد، ثم بثوا الغارات في إستيريا من بلاد النمسا وحصلت هناك معارك كانت فيها الحرب سجالا، وجاء أمير البحر «أندري دوريا» المشهور فعاش في بلاد اليونان، واستولى على الحصون التي كان بناها السلطان بايزيد على جوانب خليج ليبانت، ثم حصلت متاركة بين السلطان وبين شارلكان أراد السلطان خلالها أن يتفرغ لمحاربة العجم، وذهب إبراهيم باشا على رأس جيش جرار فاستولى على تبريز، ولكنه عامل الأهالي بالرفق، وزحف السلطان بنفسه واستولى على بغداد ورجع ظافرا بعد أن غاب أربعة أشهر.
وفي ذلك الوقت اشتهر في البحر المتوسط «أندري دوريا» أمير الأساطيل المسيحية وبمقابلته «خير الدين بربروس» أمير الأساطيل الإسلامية، وكان هذا في مبدأ أمره هو وأخوه عروج من متلصصة البحر ثم دخلا في خدمة السلطان محمد الحفصي صاحب تونس، ومن هناك امتدت سلطتهما على سواحل الجزائر، وقتل عروج في حرب بينه وبين الإسبانيول على تلمسان، فانفرد بالأمر أخوه خير الدين وسماه السلطان أمير البحر سنة 1533، وأخذ يعيث في البحر المتوسط، ويغزو سواحل إيطاليا، ثم استولى على تونس فاضطر شارلكان إلى غزو تونس وأخذها عنوة. وأطلق فيها خمسين ألف أسير مسيحي وأعاد سلطانها مولاي الحسين على شرط أن يؤدي له الإتاوة وأن تبقى هناك حامية إسبانيولية.
ثم إن فرنسيس الأول أرسل إلى السلطان سليمان يعرض عليه المحالفة مع معاهدة تجارية، على أن سليمان وفرانسيس يحاربان شارلكان إذا كان شارلكان يمتنع عن إعادة دوقية ميلانو، وجنوة وبلاد فلاندر إلى فرنسا، وطلب من السلطان سليمان أن يقرضه مليونا من الذهب حتى يقوم بنفقات الحرب اللازمة، وكذلك كان من جملة الاقتراحات أن يغزو خير الدين جزيرة صقلية، ومملكة نابولي وجزيرة سردينية، وكان المتولي لهذه المهمة الوزير الفرنسي «جان دولا فوره