الذين تتوفاهم الملائكة ... الآية.
قلت: قرية «مجدل معوش» هي في قضاء الشوف من بلادنا في بلد لبنان وكان أهلها مسلمين من أهل السنة، ووقعت بينهم عداوة شديدة فخرجوا منها واشتراها النصارى، وذلك منذ مائتي سنة، ولما دخلها السيد علي بن ميمون المغربي كانت لا تزال قرية إسلامية، وبقي قبر السيد من ذلك الوقت معروفا لا يجهله أهل القرية، وجاءنا مرة الخبر بأن بعض النصارى أرادوا استعمال ذلك القبر للدفن، وكان في ذلك الوقت عمنا الأمير مصطفى أرسلان قائم مقام قضاء الشوف، فأخبرته بالخبر فأمر مدير ناحية العرقوب الشمالي التي منه تلك القرية بأن يتحقق هذا الأمر ويمنع تعرض أحد للقبر، ثم جمعنا إعانة مالية وأدى كل منا ما قدر عليه، فبلغ المجموع مئة جنيه ذهب وجددنا القبر المذكور لأنه كان قد خرب تقريبا فخشينا بسبب خرابه أن يستعمله النصارى لدفن موتاهم.
وبلغ المرحوم الأمير علي بن الأمير عبد القادر الجزائري شروعنا ببناء هذا القبر، فأراد أن يكون له حصة في المثوبة فأرسل أيضا شيئا من المال، وهكذا جددنا قبر الولي المشار إليه قدس الله سره بعد نحو من أربع مئة سنة من وفاته، وكان هذا العاجز السبب في ذلك، وأخمن أن هذه القضية مضى عليها سبع وثلاثون سنة، وقد أطلت في ترجمة السيد علي بن ميمون لكونه من أقمار أهل المغرب التي اطعلت على المشرق ولكوني قمت له بخدمة قبره بعد دفنه بأربعة قرون والله على ذلك شهيد.
ثم نعود إلى ذكر العلماء الذين اشتهروا في زمان السلطان بايزيد فمنهم العارف بالله الشيخ علوان الحميدي، اتصل بخدمة السيد علي بن ميمون وكان بحرا من بحار الحقيقة، وكان شافعي المذهب، توفي سنة أثنتين وعشرين وتسع مئة
ومنهم الشيخ محمد الشهير ب«ابن عراق» كان من أولاد الأمراء الشراكسة وكان من طائفة الجند، وكان صاحب ثروة وحشمة وافرة فترك كل هذا واتصل بخدمة السيد علي بن ميمون، واشتغل عنده بالرياضة، وكان عالما زاهدا وجاور مدة بعد وفاة ابن ميمون بالمدينة المنورة ومات ودفن فيها، وأتذكر أنه يوجد في بيروت زاوية منسوبة إلى ابن عراق.
ومنهم «ابن صوفي» واسمه عبد الرحمن كان عالما مدرسا ثم اتصل بالسيد علي بن ميمون وصار من تلاميذه ولما ذهب السيد إلى الشام بعد أن سكن مدة في بورسة نصبه خليفة له في بلاد الروم.
ومنهم المولى إسماعيل الشرواني قرأ على جلال الدين الدواني، وخدم العلم طول حياته، وتوطن أخيرا في مكة المكرمة ومات فيها.
ومنهم الشيخ بابا نعمة الله، وكان من السادة الصوفية، سكن بقصبة آق شهر وتوفي بها.
ومنهم الشيخ محمد البدخشي، كان زاهدا متجردا من علائق الدنيا ثم ذهب إلى دمشق وسكن بها، ولما دخل السلطان سليم دمشق زار هذا الشيخ مرتين، ففي المرة الاولى جلسا صامتين وسئل السلطان سليم عن ذلك فقال: فتح الكلام ينبغي أن يكون من العالي ولا علو له عليه. وقد تأدب الشيخ أيضا واختار الصمت تنزلا منه، وأما في الزيارة الثانية فقال الشيخ البدخشي للسلطان: كلانا عبد لله تعالى وإنما الفرق هو أن ظهرك ثقيل من أعباء الناس، وظهري أنا خفيف، فاجتهد أن لا تضيع أمتعتهم. ومات البدخشي بدمشق سنة اثنتين وعشرين وتسع مئة.
ومنهم السيد أحمد البخاري الحسيني، جاء من بخارى إلى بلاد الروم وصحب الشيخ الإلهي، وكان من أشد الناس ورعا، وتعلق به الناس كثيرا وتركوا المناصب واختاروا خدمته، فبنى مسجدا وحجرات حوله للطالبين وذلك في القسطنطينية، وكان مجلسه في غاية الوقار، تجلس فيه الناس كأن على رءوسهم الطير، ولا تجري في مجلسه كلمات دنيوية أصلا، وكانت طريقته العمل بالعزيمة وترك البدعة واتباع السنة وإقامة الصلاة والانقطاع عن الناس والمداومة على الذكر الخفي، والعزلة عن الأنام وقلة الكلام والطعام وإحياء الليالي وصوم الأيام، مات سنة اثنتين وعشرين وتسع مئة.