تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنهم المولى على بن مجد الدين محمد بن مسعود بن محمود بن محمد بن عمر الشاهروي البسطامي الهروي الرازي العمري البكري الشهير ب«المولى «مصنفك» والكاف علامة التصغير عند العجم، ولقب بذلك لاشتغاله بالتصنيف مذ حداثة سنة، وهو من ذرية فخر الدين الرازي، ويقال إن الفخر الرازي صرح في بعض مصنفاته بأنه من ذرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقيل بل هو من ذرية أبي بكر الصديق رضى الله عنه.

ولد المولى «مصنفك» سنة ثلاثة وثمان مئة، وسافر إلى هراة لتحصيل العلم سنة اثنتي عشرة وثمان مئة، وصنف شرح الإرشاد سنة ثلاث وعشرين وثمان مئة أي وهو ابن عشرين سنة، وشرح المصباح في نحو سنة خمس وعشرين، وشرح آداب البحث سنة ست وعشرين، وشرح اللباب سنة ثمان وعشرين وشرح المطول سنة اثنتين وثلاثين، وشرح المفتاح للتفتازاني سنة أربع وثلاثين، وصنف حاشية التلويح سنة خمس وثلاثين، وشرح البردة والقصيدة الروحية لابن سينا في تلك السنة، ثم ارتحل إلى هراة وشرح «القواية» ثم شرح «الهداية» سنة تسع وثلاثين، ثم صنف حدائق الإيمان لأهل العرفان، ثم ارتحل إلى بلاد الروم سنة ثمان وأربعين وشرح المصابيح للبغوي، وشرح شرح المفتاح للسيد الشريف، وصنف شرح الكشاف للزمخشري، وله عدة تآليف بالفارسية، وقرأ العلوم الأدبية على المولى جلال الدين يوسف الأبهى من تلاميذ التفتازاني، وقرأ فقه الشافعي على الإمام عبد العزيز بن الباهري وقرأ الفقه الحنفي على الإمام نصيح الدين محمد بن محمد علاء الدين. وكان سريع الكتابة يكتب كل يوم كراسا وكان يدرس الطلبة بالكتابة يكتبون إليه مواضع الإشكال فيجيب كلا في ورقة ويدفعها إلى الطالب. مات بالقسطنطينية سنة خمس وسبعين وثمان مئة ودفن عند أبي أيوب الأنصاري وأصيب بالصمم في آخر حياته.

ومنهم المولى سراج الدين محمد بن عمر الحلبي، لما أغار تمرلنك على البلاد الحلبية أخذه معه إلى ما وراء النهر فقرأ هناك، ثم قدم إلى بلاد الروم في زمن السلطان مراد خان ونصبه معلما لابنه السلطان محمد الذي فتح استانبول ثم أعطاه مدرسة بأدرنة وبقي يدرس ويصنف حتى مات فيها.

ومنهم المولى محيي الدين دويش محمد بن خضرشاه، كان مدرسا بسلطانية بروسة، وكان في غاية الورع والناس تتبرك به.

ومنهم المولى إياس وكان متصوفا انقطع للعبادة والمطالعة، وكان له غرام بتصحيح الكتب وكتابة الفوائد في حواشيها، وكان للناس فيه اعتقاد عظيم.

ومنهم المولى خير الدين معلم السلطان محمد الفاتح، وكان له جامع ومدرسة في القسطنطينية، وكان عالما فاضلا متفننا لذيذ الصحبة حسن النادرة.

ومنهم المولى حميد الدين بن أفضل الدين الحسين وكان على جانب عظيم من الورع والتقوى صبورا على الشدائد تولى التدريس بمدرسة السلطان مراد في بورسة ثم عزل عنها في أوائل سلطنة الفاتح، وأتي إلى القسطنطينية، وكان الفاتح أحيانا يخرج ماشيا في عدة من أعوانه، فصادفه الشيخ حميد الدين فنزل عن فرسه ووقف فقال له السلطان: أنت ابن أفضل الدين؟ قال: نعم. قال: احضر إلى الديوان غدا. فلما حضر أعطاه مدرسة السلطان مراد في بورسة، وأجرى عليه أرزاقا تكفيه وأوصاه بالاشتغال بالعلم وقال له: أنا لا أغفل عنك. ثم أعطاه السلطان إحدى المدارس الثمان في القسطنطينية ثم استقضاه، وبعد وفاة الفاتح صار مفتيا في زمان ولده السلطان بايزيد، وكان شديد الحفظ قلما توجد مسألة شرعية أو عقلية إلا وهو يحفظها ولم يكن يعرف الغضب.

ومنهم المولى سنان الدين يوسف بن المولى خضر بك بن جلال الدين كان عالما فاضلا واسع الاطلاع حاد الذهن، ولشدة ذكائه غلب عليه الشك فصار يشتبه في أكثر الأشياء، وكان والده يلومه على ذلك، وكانا يأكلان مرة معا فقال له والده: بلغ بك الشك إلى مرتبة أنك قد تشك في أن هذا الظرف من نحاس؟ فقال له: نعم يمكن ذلك لأن للحواس أغاليط. فغضب والده عيه وضربه بالطبق على رأسه، ولما مات والده كان في العشرين من سنه فأعطاه السلطان الفاتح مدرسة بأدرنة، ثم أعطاه دار الحديث ثم جعله من خواصه، وتعلم سنان الدين العلوم الرياضية على المولى علي القوشجي الذي تقدم ذكره، ثم سفر الجو بينه وبين السلطان فعزله وحبسه، فلما عرف العلماء اجتمعوا في الديوان العالي وقالوا: لا بد من إطلاق سبيله وإلا نحرق كتبنا ونخرج من المملكة. فأمر السلطان بتخلية سبيله، ولكنه أخرجه من القسطنطينية إلى سفر حصار، وبقي غضبان عليه، إلا أن السلطان بايزيد عاد فاستدعاه إلى أدرنة وجعله في دار الحديث فيها وأنعم عليه، وكتب هناك حواشي على مبحث الجواهر من شرح المواقف وأورد أسئلة كثيرة على السيد الشريف، فنصحه بعض أصحابه قائلا له: لا بد من انتخاب تلك الأسئلة لأن السيد رفيع الشأن. فأوعز للطلبة بأن يطالعوا تلك الأسئلة فأسقط منها ما أجابوا عنه، ثم ترك المناصب ومات بقسطنطينية ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري سنة إحدى وتسعين وثمان مئة، وكان ينفق كل ما في يده، ولما مات لم يوجد في بيته حطب يسخن به الماء.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ٧٥