تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بويع للسلطان أورخان بالسلطنة في سنة ست وعشرين وسبع مئة، وقد نبغ في زمانه المولى داود القيصري القراماني؛ قرأ في مصر، وكان له قدم راسخة في التصوف وشرح فصوص ابن العربي، ولما بنى السلطان أورخان مدرسته في بلدة أزنيق انتدبه للتدريس بها.

ومنهم المولى تاج الدين الكردي، وكان فقيها علامة، ولما مات داود القيصري جعله السلطان أورخان مكانه في التدريس.

ومنهم المولى علاء الدين الأسود وقرأ في بلاد العجم وله مؤلفات، ودرس في مدرسة ازنيق.

ومنهم المولى خليل الجندري، وهو أول قاض من قضاة العساكر، وصار فيما بعد وزيرا وكان من أقارب الشيخ أدبالي.

ومنهم المولى محسن القيصري وقرأ في البلاد الشامية ، وله نظم في علم الفرائض وشرح عليه.

ومنهم الشيخ الغزال ومولده ببلدة «خوى» من بلاد العجم، وكان يركب الغزال، وحضر فتح بروسة مع السلطان أورخان وكان متجردا عن العلائق الدنيوية، وكان السلطان أورخان يحبه حبا جما، فأقطعه موضعا قريبا من مقامه مع ما حوله من القرى، فلم يقبل ذلك الشيخ وقال: الملك والمال هما مما يلزم الملوك والأمراء، ومما لا يحتاج إليه الفقراء.

ومنهم الشيخ العالم بالله قره جه أحمد، وأصله من بلاد العجم سلك مسلك الزهد.

ومنهم الشيخ العارف بالله أخي أوران.

ومنهم الشيخ المجذوب موسى أبدال، حضر مع السلطان أورخان فتح بروسة.

ومنهم أبدال مراد وهو أيضا حضر فتح بروسة مع السلطان.

ومنهم بد اوغلو بابا وهو أيضا من المجاهدين الذين حضروا ذلك الفتح.

ثم جلس على كرسي السلطنة مراد بن أورخان أخو سليمان باشا، وكان سلطانا عظيما في حب الفتوحات وحسن التدبير، وهو الذي استولى على أدرنة في البر الأوروبي، ونقل إليها كرسي ملكه، وهي من أهم المدن واقعة في ملتقى ثلاثة أنهار، ومن أدرنة زحفت جيوشه فاستولت على كملجنة في تراقية وعلى فاردار وفيليولي وبنى مراد جامعا كبيرا في أدرنة.

ولما رأى أهالي بلاد البلقان تقدم العثمانيين وتوالي فتوحهم هالهم الأمر وعمدوا إلى مصادمتهم، وكان البابا «أوروبانوس» الخامس، نادى بالحرب الصليبية، فزحف أورشق الخامس ملك الصرب ومعه أمراء بوسنة والفلاخ والمجر قاصدين الأتراك في أدرنة، وكان السلطان مراد يحاصر بلدة «بيغا» في الأناضول، فالتقاهم الحاج «إلبيكي» من قواد مراد وهزمهم هزيمة شنيعة سنة 1363، واستولى الترك على أثر هذه الوقعة علي «قيزل أغاج» و«يانبول» و«إستيمان» و«سماكوف»، ثم رجع مراد فاستولى على «قرق كلية» و«آيدوس» ومدن أخرى، وفي تلك المدة أزوج مراد ابنه بايزبد المسمى «بلدرم» - الذي تقدم أن تيمور لنك أخذه أسيرا - وذلك من ابنة أمير «كوتاهية» واستولى عليها، وأجبر أمير حميد في الأناضول أن يبيعه إمارته، وسرح «تيمور طاش» أحد قواده فافتتح «مناستير» و«بيرايبة» و«إشتيب» في بلاد الصرب، وافتتح أيضا «صوفيا» من بلاد البانار، ثم سرح جيشا آخر بقيادة الصدر الأعظم خير الدين، فافتتح «سلانيك» وكان خير الدين هذا من أحسن الوزراء تدبيرا، فلما مات طمع أعداء العثمانيين وزحف البلغار من جهة أوروبا، وأمراء قرامان في الأناضول في وقت واحد، فأسرع مراد إلى صد أمير قرامان وهزمه وأسره، وعاد إلى البلقان لقتال الصرب والبلغار، وزحف الوزير «علي باشا» فاستولى على بلاد البلغار، وأسر «سيسمان» ملك بلغاريا ولم يقتله وعين له مرتبا يعيش به، وصار ابن ملك البلغار من أتباع السلطان. وأما ملك الصرب «اليعازر» فكان قد جمع جموعه وزحف بالصرب والأرناءوط، فالتقى الجمعان في صحراء «قوصوه» فكانت معركة من أشد ما عرف التاريخ، وانهزم الصرب وأحلافهم، وبينما السلطان مراد يسير على أشلاء قتلى الصرب نهض أحد الجرحى فأغمد فيه خنجره، فجرح السلطان جرحا بليغا مات به، ولكن بعد أن أمات اليعازر ملك الصرب.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ٦١