تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا وإن أرسطو يرى للأسرة غاية أبعد وأسمى من الغاية الاقتصادية، وهي أنه لا بد لكل عائلة من رأس، وأن هذا الرأس هو الرجل الذي يدبر النفوس القاصرة أي نفوس النساء والأولاد. ومعنى النفوس القاصرة ليس أنها نفوس أرقاء، بل معناه أنها نفوس ضعاف محتاجة إلى المعاونة. ولهذا كانت سلطة رئيس العائلة غير مطلقة على المرأة، بل كان حكمه عليها حكم الوالي على رعيته، وفى العائلة متوافرة جميع الشروط اللازمة لتأليف المدنية.

ثم إن أرسطو لا يعد في الوطنيين الأحرار طبقة الصناع والأكرة، بل يقول إن أعمال هؤلاء خسيسة وليس عندهم من الوقت متسع لممارسة الفضيلة، وللاشتغال بسياسة المجتمع. وهذا القول مردود من جهة شقه الأول، وهو ممارسة الفضيلة التي تكون عند الصناع والزراع كما تكون عند غيرهم. ولكنه مقبول من جهة شقه الثاني وهو الاشتغال بسياسة المجتمع، فإن هذه الطبقات قلما تشتغل بها.

وتعريف أرسطو للديمقراطية هو هذا: إنها توجد حيث يكون الرجالات الأحرار الفقراء هم القابضين على أزمة الأمور، وإنها حيث توجد توأمين الحرية والمساواة. قال: وعكسها حكم الأصلاء والأغنياء. وقال: إن الفروق الكبيرة في الثروة تؤدي إلى الحكم المطلق المنحصر في بعض البيوتات، وإن الغاية المقصودة من بناء المدينة هي تأمين سعادة السكان وتمكينهم من ممارسة الفضائل، والتحلي بمكارم الأخلاق وذلك لا يكون إلا بخضوع الجميع للقوانين. وهذه القوانين لا تنفذ جيدا إلا ببعض شروط اقتصادية لا مناص منها مما يعود بترفيه الطبقات الوسطى التي لا تقدر أن تعيش إلا من كسب أيديها، فهي بطبيعة الحال تحافظ على حسن سير القوانين، ولا نقصد الاجتماعات الشعبية إلا عند الضرورة. أما إذا وجد في المجتمع من يستغني عن العمل ومن يعيش من رأس مال راتب لديه، فإن الديموقراطية تضعف في مجتمع كهذا وتقوم حينئذ الأصوات والانتخابات مقام القوانين.

ولقد تكلم أبو نصر محمد بن محمد بن نصر الفارابي في مبادئ العمران أيضا وأجاد وأفاد ونقل كارادوفو أكثر نظرياته السديدة في المدنية. ولننقل هنا ما ذكره عنه القاضي أبو القاسم صاعد بن أحمد الأندلسي المتوفي بعد زمن الفارابي بقرن واحد قال:

أبو نصر محمد بن محمد بن نصر الفارابي فيلسوف المسلمين بالحقيقة أخذ صناعة المنطق عن يوحنا بن جيلاني المتوفي بمدينة السلام في أيام المقتدر، فبذ جميع أهل الإسلام فيها، وأتى عليهم في التحقق بها، فشرح غامضها، وكشف سرها وقرب تناولها، وجمع ما يحتاج إليه منها في كتب صحيحة العبارة، لطيفة الإشارة، منبهة على ما أغفله الكندي وغيره من صناعة التحليل، وأنحاء التعليم وأوضح القول فيها عن مواد المنطق الخمس، وأفاد وجود الانتفاع بها، وعرف طرق استعمالها، وكيف تصرف صورة القياس في كل مادة منها، فجاءت كتبه في ذلك الغاية الكافية، والنهاية الفاضلة. ثم له بعد هذا كتاب شريف في إحصاء العلوم

1

والتعريف بأغراضها لم يسبق إليه، ولا ذهب أحد مذهبه فيه، ولا يستغني طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به وتقديم النظر فيه. وله كتاب في أغراض فلسفة أفلاطون وأرسطاطاليس

2

يشهد له بالبراعة في صناعة الفلسفة، والتحقق بفنون الحكمة، وهو أكبر عون على تعلم طريق النظر، وتعرف وجه الطلب. اطلع فيه على أسرار العلوم وثمارها علما علما، وبين كيفية التدرج من بعضها إلى بعض شيئا شيئا (إلى أن يقول): ثم له بعد هذا في العلم الإلهي والعلم المدني كتابان لا نظير لهما، أحدهما المعروف ب«السياسة المدنية» والآخر المعروف ب«السيرة الفاضلة»

3

عرف فيهما بجمل عظيمة من العلم الإلهي على مذهب أرسطالطاليس في مبادئ السنة الروحية، وكيف تؤخذ عنها الجواهر الجسمانية على ما هي عليه من النظام واتصال الحكمة، وعرف فيها بمراتب الإنسان وقواه النفسانية، وفرق بين الوحى والفلسفة، ووصف أصناف المدن الفاضلة وغير الفاضلة واحتياج المدنية إلى السير الملوكية، والنواميس النبوية. انتهى. ولكن ليس من هؤلاء واحد لا أفلاطون ولا أرسطو ولا الفارابي يعد واضعا لعلم فلسفة التاريخ الذي هو حق ولي الدين أبى زيد عبد الرحمن بن خلدون مفخرة المغرب بل مفخرة الإسلام كله.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ٦