ولأفلاطون مذهب آخر وهو: أن أقسام الغرائز في البشر هي تحت تأثير البيئات التي يعيشون بها، فالعلوم الحسابية التي تدرج بعض الناس إلى الفلسفة هي عند بعض الشعوب كالمصريين والفينيقيين وغيرهم زيادة في التحيل لا في العلم (كذا) ولا نرى في هذا الرأي إلا تعسفا.
ويوصي أفلاطون كثيرا باختيار ذوي الغرائز الممتازة كحب الحقيقة، وسهولة الفهم، وتغلب العقل على الهوى، وشرف النفس، والإقدام، وحسن الذاكرة إلخ.
ومن وصاياه تنظيم أعمال الوطنيين بحيث يقلد كل منهم ما هو أهل له فيجوده ويحصر حركته في هذا العمل ولا يتجاوزه إلى غيره. وإذا تأمل القارئ في عقلية أفلاطون الاجتماعية وجدها داخلة في علم النفس، وفى علم الأخلاق، فهو يذكر الأحوال لا على ما تكون عليه في الغالب، بل على ما يجب أن تكون عليه.
فالأساس عند أفلاطون هو أدبي محض، وهو قائم بتطبيق وظائف الاجتماع على القابليات الطبيعية في البشر حتى يأتي العمل أجود ما يمكن، إلا أن أفلاطون يعتقد بأنه لا بد من اختلال النظام شيئا فشيئا، وعند ذلك فلا مفر من التردي، ويدخل أفلاطون حينئذ في شرح كيفية الانحطاط وما ينشأ عن فساد النظام من فساد الأخلاق مما لا يلزم أن نستوفيه هنا، لأننا لم نقصد إلا إجمالا. وإنما نذكر شيئا ذا بال من فلسفته الاجتماعية، وهو ذهابه إلى أفضل حاجز للمدنية عن التردي، وأحسن وسيلة لانتظام جهود المصالح، إنما هو تسليم زمام أمورها إلى الحكماء، وهو على حد ما قال بعضهم: لا تبلغ المدنية السعادة إلا إذا كان الفيلسوف ملكا، أو الملك فيلسوفا.
ومن رأي أفلاطون أن كل صفة بشرية قابلة للتغيير بحسب البيئات والطوارئ. وإن السياسة بنوع خاص لا تنضبط تحت قواعد يجب العمل بها في كل زمان ومكان. ويترتب على رأي أفلاطون هذا أن رجل الدولة يكون أحيانا فوق القواعد والأوضاع.
وأما أرسطو فعنده تفسرة المدنية أنها مجمع منازل وعائلات تتوخى في معيشتها السعادة والاستقلال. وهو يخالف أفلاطون في حصره المدنية بتوزيع الأعمال ومجرد المبادلة، ويقول: إن الاجتماع لم يكن للحياة المجردة، بل للحياة المرفهة، وإن علم السياسة هو العلم الباحث عن الأسباب والشروط الكافلة للوصول إلى هذه الغاية، وهو يأتي بمباحث تاريخية عن كيفية تولد المدن والمدنيات. ومن رأيه أن الاستقلال الزراعي هو شرط في صحة الأخلاق، وأنه كلما استقلت مملكة عن غيرها في احتياجاتها المعاشية استقلت في أمورها السياسية والعكس بالعكس، وكلما كثر أخذ المملكة وعطاؤها مع الخارج ضعف استقلالها السياسي وتعرضت للحروب، وهي حقيقة قد انطبخت حتى احترقت، وقضية قد ابتقرت حتى انفاقت، فالأمة التي ليس لها استقلال اقتصادي هيهات أن يتم لها استقلال سياسي.
ومما يذهب إليه أرسطو أن الرق أمر طبيعي لا ينبغي التعجب منه، وأن الطبيعة في قسمتها البشر إلى طبقتين سادة وأرقاء ليست ظالمة ولا مستبدة. قال أرسطو: وإنه يوجد في آسيا في الأقاليم الحارة أقوام ذوو ذكاء وسرعة خاطر، لكنهم مجردون من العزم، لذلك هم مخلوقون ليكونوا أرقاء! وقال: إن مناخ يونان المعتدل هو المناخ الوحيد الذي يمكنه أن يولد سلائل جامعة بين الذكاء والعزم، فاليونانيون أحرار بحسب الفطرة قبل التربية.
ولقد بالغ أرسطو في ذلك أشد المبالغة ورأى الناس في رأيه هذا مجرد تسويغ وتصويب لفتوحات صاحبة الإسكندر في الشرق.
أما اعتدال أمزجة اليونانيين باعتدال إقليم يونان فلا نزاع فيه، ولهذا كثر فيهم الحكماء، وغلبت عليهم العلوم، وهذا شبيه بما يقوله ابن خلدون عن تأثير اختلاف الأقاليم وهو:
الإقليم الرابع أعدل العمران، والذي حافاته من الثالث والخامس أقرب للاعتدال، والذي يليهما الثاني والسادس بعيدان عن الاعتدال، والأول والسابع أبعد بكثير، فلهذا كانت العلوم والصنائع والمباني والملابس والأقوات والفواكه، بل والحيوانات وجميع ما يتكون في هذه الأقاليم الثلاثة مخصوصة بالاعتدال وسكانها من البشر أعدل أجساما وألوانا وأخلاقا وأديانا، حتى النبوات فإنما توجد في الأكثر فيها. ولما تقف على خبر بعثة في الأقاليم الباردة الشمالية ولا الجنوبية التي فيها الحر الزائد، وذلك لأن الأنبياء والرسل إنما يختص بهم أكمل النوع في خلقهم وخلقهم ا.ه.