ثم قال في إحدى الأماثيل التي أوردها من التوراة: فلما ابتدأ الناس يكثرون على ظهر الأرض، وولد لهم البنات، فلما رأى أولاد الله بنات آدم أنهن حسان اتخذوا منهن نساء! وقال بعد لك نقلا عن الكتاب المقدس: «كان يدخل بنو الله إلى بنات آدم ويولد لهم حراما، وهم الجبابرة الذين على الدهر لهم أسماء» وهذا حمق ناهيك به، وكذب عظيم، إذ جعل لله أولادا ينكحون بنات آدم وهذه مصاهرة تعالى الله عنها. حتى إن بعض أسلافهم قال: إنما عنى بذلك الملائكة، وهذه كذبة إلا أنها دون الكذب في ظاهر اللفظ، ثم مضى ابن حزم بلهجته الشديدة المعهودة المشهورة في تكذيب التوراة، أو بالأحرى ما ينسب إلى التوراة مما ليس بالحقيقة منها، فأملى نحوا من تسعين صفحة في هذا الموضوع.
ومن جملة ما ذكر عن الكتاب المقدس قضية لوط، وأنه أقام في المغارة هو وابنتاه، «فقالت الكبرى للصغرى: أبونا شيخ وليس في الأرض أحد يأتينا كسبيل النساء، تعالي نسق أبانا الخمر ونضاجعه ونستبق منة نسلا، فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة، فأتت الكبرى فضاجعت أباها ولم يعلم بنومها ولا بقيامها، فلما كان من الغد قالت الكبرى للصغرى: قد ضاجعت أبي أمس تعالي نسقيه الخمر هذه الليلة وضاجعيه أنت ونستبقي من أبينا نسلا، فسقتاه تلك الليلة خمرا وأتت الصغرى فضاجعته ولم يعلم بنومها ولا بقيامها. وحملت ابنتا لوط من أبيهما، فولدت الكبرى ابنا وسمته مواب وهو أبو الموابيين إلى اليوم، وولدت الصغيرة ابنا سمته ابن عمون وهو أبو العمونيين إلى اليوم» إلخ. قال ابن حزم: في هذه الفصول فضائح وسوآت تقشعر من سماعها جنود المؤمنين العارفين حقوق الأنبياء عليهم السلام، فأولها ما ذكر عن بنتي لوط عليه السلام من قولهما «ليس أحد في الأرض يأتينا كسبيل النساء، تعالي نسق أبانا خمرا ونضاجعه ونستبق منة نسلا» فهذا كلام أحمق في غاية الكذب والبرد! أترى كان انقطع نسل ولد آدم كله حتى لم يبق في الأرض أحد يضاجعهما؟ إن هذا لعجب!» ا.ه.
وسحب ابن حزم سائر اعتراضاته هذا السحب مما لا حاجة لإعادته، فمن شاء فليراجعه في كتابه «المال والنحل» وإنما أوردنا ما أوردناه هنا على سبيل التمثيل ولا شك في أن مثل هذه الأقاويل لا تجوز على كتاب منزل، وإن نسبتها إلى كتاب منزل مضرة جدا بالدين، ومفسدة للأخلاق، وإن المسلمين لا يعتقدون بأن مثل هذا يكون من التوراة الحقيقية.
ومن العجب أن التوراة مع اشتمالها على هذه الفصول المستهجنة، وهذه العبارات الغريبة المدهشة، قد صدقها المجمع الكاثوليكي التارنتي الذي قرر أن التوراة الصحيحة في نظر الكنيسة الكاثوليكية هي خمسة أسفار: موسى التي يقال لها الناموس، وكتاب الأنبياء المشتمل على كتب يسوع، والقضاة، والملوك، ونبوات أشيعا وأرميا، وحزقيال، ودانيال، والاثنا عشر نبيا صغيرا، وكذلك كتب: «باراليبونسيس واسدراس ونيحميا وطوبيا ويوديث وأيوب والمزامير، والأمثال، والكهنوت، ونشيد الإنشاد، والحكمة، وكتابا المكابيين.» ولم يخرج الكاثوليكيون من التوراة إلا كتاب أنوخ، وثلاثة أو أربعة كتب من اسدراس، وثلاثة أو أربعة كتب من المكابيين، وكتاب منشى.
أما اليهود والبروتستانت فإنهم يخرجون من التوراة كتاب طوبيا، ويوديث والحكمة والكهنوت وكتاب باروخ وبعض أقسام من كتاب أستير، وقصة سوسان وقصة الشبان العبرانيين الثلاثة والكتابين الأولين من المكابيين، وقصة أوثان بعل، وداغون. هذا ما كان من العهد القديم، فأما العهد الجديد فهو الذي يشتمل على الأناجيل الأربعة؛ متى، ومرقص، ولوتا، ويوحنا، وأعمال الرسل، و14 رسالة من بولس، و7 رسائل من بطرس، ويعقوب، ويهوذا، ورؤيا يوحنا. وقد أخرج المجمع التارنتي من العهد الجديد رسائل برنابا، ورسائل بولس إلى اللاوديقيين والي سنيكا وكتاب السيد المسيح إلى أبقار، وكثيرا من الأناجيل.