تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد جاء في الانسيكلوبيدية الإسلامية بقلم المستشرق الألمانى اليهودي هوروفتز - وكانت لنا معرفة به وهو الذي ترجم لنا شعرا ارتجلناه عند زيارة بيت جوتة شاعر الألمان الأكبر، ونشر ذلك في الصحف ولهوروفتز ترجمة شعر الكميت أيضا - أن ابن حزم أورد 57 موضعا يبين فيها تناقضات التوراة والمستحيلات التي فيها. قلنا: إن أبا محمد بن حزم ذكر أن بأيدي السامرية توراة غير التوراة التي بأيدي سائر اليهود، يزعمون أنها المنزلة، ويقطعون بأن التي بأيدي اليهود محرفة مبدلة وسائر اليهود يقولون إن التي بأيدي السامرية محرفة مبدلة! قال: ولم يقع إلينا توراة السامرية، لأنهم لا يستحلون الخروج عن فلسطين والأردن أصلا، إلا إننا قد أتينا ببرهان ضروري على أن التوراة التي بأيدي السامرية محرفة مبدلة عندما ذكرنا في آخر هذه الفصول أسماء ملوك بني إسرائيل.» انتهى. قلنا إن اختلاف توراة اليهود عن توراة السامرية مسموع، وقد كنا في نابلس منذ ثلاثين سنة، وكان يتردد علينا إسحاق كاهن السامرية، ودعانا مرة إلى الكنيس الذي لهم وهو شيء قديم جدا، وأطلعنا على توراتهم وقال: إن تاريخ نسخها يرجع إلى ألف سنة. ومما أتذكره من كلامه - وكان عالما بمذهبهم - أن بين توراتهم وتوراة اليهود بعض الاختلاف، وربما يكون ذكر لي مواضع الاختلاف أو بعضها، ولكنة لم يبق في خاطري ما ذكره لطول العهد به.

ونعود إلى كلام ابن حزم؛ فهو يأخذ مثلا عبارات من التوراة ويبين ما فيها من الاستحالة مثل: «ونهر يخرج من عدن فيسقي الجنان، ومن ثم يفترق فيصير أربعة أرؤس، اسم أحدها النيل وهو محيط بجميع بلاد زويلة الذي به الذهب وذهب ذلك البلد جيد، وبها اللؤلؤ وحجارة البلور. واسم الثاني جيحان وهو محيط بجميع بلاد الحبشة، واسم الثالث الدجلة وهو السائر شرق الموصل، واسم الرابع الفرات، فقال: «في هذا الكلام من الكذب وجود فاحشة قاطعة بأنها من توليد كذاب مستهزئ، أول ذلك أخباره أن هذه الأربعة تفترق من النهر الذي يخرج من جنات عدن.» وأفاض ابن حزم في تكذيب ذلك بما لا حاجة إلى نقله هنا. ثم قال: فإن قال قائل: فقد صح عن نبيكم

صلى الله عليه وسلم

أنه قال: «النيل والفرات وسيحان وجيحان من أنهار الجنة.» قلنا نعم هذا حق لا شك فيه، ومعناه هو على ظاهره بلا تكلف تأويل أصلا، وهي أسماء لأنهار الجنة كالكوثر والسلسبيل، فإن قيل قد صح عنه عليه السلام أنه قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة.» قلنا هذا حق، وهو من أعلام نبوته، لأنه أنذر بمكان قبره فكان كما قال، وذلك المكان لفضلة وفضل الصلاة فيه يؤدي العمل فيه إلى دخول الجنة، فهي روضة من رياضها، وباب من أبوابها.

ومعهود اللغة أن كل شيء فاضل طيب فإنه يضاف إلى الجنة، وليس كذلك الذي في توراة اليهود، لأن واضعها لم يدعها في لبس من كذب، بل بين أنه في النيل المحيط بأرض زويلة بلد الذهب الجيد، ودجلة التي بشرق الموصل، وجيحان المحيط ببلد الحبشة، فلم يدع لطالب تأويل حيلة ولا مخرجا. ثم قال نقلا عن التوراة: «وقال الله هذا آدم قد صار كواحد منا في معرفة الخير والشر، والآن كيلا يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة ويأكل ويحيى إلى الدهر، فطرده الله من جنات عدن» قال ابن حزم: حكاية عن الله تعالى أنه قال: هذا آدم قد صار كواحد منا مصيبة من مصائب الدهر، وموجب ضرورة أنهم آلهة أكثر من واحد. وقد أدى هذا القول الخبيث المفترى كثيرا من خواص اليهود إلى الاعتقاد أن الذي خلق آدم لم يكن إلا خلقا خلقه الله تعالى قبل آدم، وأكل من الشجرة التي أكل منها آدم فعرف الخير والشر، ثم أكل من شجرة الحياة فصار إلها من جملة الآلهة، نعوذ بالله من هذا الكفر الأحمق، ونحمده إذ هدانا للملة الزهراء التي تشهد سلامتها من كل دخل بأنها من عند الله تعالى.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ٣٢