تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما أكتفي السلطان باستئصال النكشارية بل أراد استصال جميع جراثيم الفساد التي كانت آفة على المملكة فألغى الطريقة البكتاشية وقتل رؤساءها وأقفل تكاياها ولكن بعد أن سار على خطة التجدد في امملكة وغير الأزياء القديمة حاول الرجعيون الانتقام فأشعلوت النار عدة مرار وفي إحدى المرار أحرقوا ثمن الأستانة ولكن السلطان ضمد الجروح وساعد المصابين وفي مرة أخرى أحرقوا بيك أوغلوا محله الأوروبيين وحصلت أيضا ثورة بالسلاح فقضى السلطان عليها ولم يثنه شيء عن عزمه ومضى في سياسة التجدد، وبني المدارس، وأسس المدرسة العسكرية الكبرى وأنشأ المراكب النارية وأسس المحاجر الصحية.

وكان بالجملة مقتنعا بوجوب الإصلاح والتجديد حازما رابط الجأش غير هياب للموت عادل بالرعية مهتما بالصغيرة والكبيرة من شئون الأمة مساويا بين جميع أجناس رعيته ولكن المصائب بسبب أطماع الدول الأوروبية توالت على السلطنة في زمانة.

وفي سنة 1831 استولى الفرنسيس على الجزائر في خبر ليس هنا موضعه فعجزت الدولة عن دفع هذا الاعتداء، لاسيما أن الجزائر كانت منفصلة عنها ولم تكن سيادتها عليها إلا بالاسم، ثم خرج محمد علي والي مصر على الدولة وأغزى ابنه إبراهيم بلاد الشام بخمسين ألف جندي فأستولى على غزة، ويافا، وحيفا، وحاصر عكة التي كان قائدها عبد الله باشا، فأمر السلطان محمد علي برد عساكره إلى الوراء، فاشترط محمد علي على السلطان توليته سورية، فأبى السلطان قبول طلبه، وأرسول جيشا لقتال الجيش المصري تحت قيادة حسين باشا، فانكسر حسين باشا وفتح إبراهيم باشا عكة عنوة، واستولى على جميع سورية، وفي ذلك يقول الشيخ أمين الجندي الشاعر:

لو قيل إبراهيم جاء محاربا

سقطوا ولو كان الكلام تقولا

قامت قيامة عكة من بأسه

وأحاك من كل الجهات بها البلا

بمدافع ما إن لها من دافع

وقنابر تحكي القضاء المنزلا

تنسيك بدرا والنضير وخبيرا

وحروب عكة والبسوس وكربلا

من مبلغ الأتراك أن جنودهم

هزموا وأن حسينهم ولي إلى

ولم يقف في وجه إبراهيم باشا غير الدروز، فأنهم اجتمعوا في «وادي التيم» وناجزوا جيشه القتال في وقائع متعددة أشهرها واقعة «وادي بكا» حيث أحاط إبراهيم باشا ومعه أثنا عشر ألف مقاتل نظامي بخمس مئة من الدروز فقاتلوه طول النهار وأبوا أن يستسلموا إليه إلى أن ماتو جميعا. وما نجا منهم غير 25 شخصا. اخترطوا سيوفهم وشقوا الجند النظامي على كثافته، وخلصوا بين الجند كله. وقد عرفت منهم واحدا عمر طويلا اسمه أمين المصفى من قصبة بمقلين، وأما دروز حوران فالتجأوا إلى اللجاه واتفقوا مع عرب السلوط، وساق عليهم إبراهيم باشا جيشا فكسروه مرارا وقتلوا منه مقتلة عظيمة، وبقى الدروز عصاة على إبراهيم إلى أن أنصرف من سورية ولكن الأمير بشير الشهابي الوالي على جبل لبنان لأن إلى إبراهيم باشا لأنه كان ذهب إلى مصر وتعاهد مع محمد علي، فلما زحف إبراهيم إلى الشام مهد له كثيرا من المقبات ولم تمنع إبراهيم باشا ثورة الدروز من أن يزحف إلى الأناضول ويهزم جيش الدولة عند قونية، وأن يتقدم من هناك إلى بورسة، فوقع الهلع في الأستانة، وقد كان خوف الروس من محمد على أعظم من خوف الترك. وذلك أن الروس فكروا في أن محمد علي قد يستولى على القسطنطينية وينظم تركيا كما نظم شئون مصر، ويؤسس دولة جديدة شابة غير الدولة العثمانية التي كان حل بها الهرم، فعرضت الروسيا على السلطان محمود محالفة عسكرية في وجه محمد علي، وأنزلت خمسة عشر ألف جندي بقرب الأستانة، وكانت على نية زيادة هذا الجيش حينما نبه السلطان سفيرا إنجلترا وفرنسا إلى خطر وجود العساكر الروسية في الأستانة، وقالا له: إن الأولى به أن يقبل شروط محمد علي، وهي إضافة سورية كلها وولاية «آطنة» إلى مصر تحت سيادة السلطان من أن يستعين بالروسيا صاحبة الطمع السرمد في القسطنطينية، وهكذا افتتح السلطان بإعطاء سورية وكيليكية إلى محمد علي، ولكن السلطان لم يكن ليرضى من قلبه مصالحه محمد علي على هذا الشرط وبقى يجهز العساكر ليقاتل إبراهيم باشا ويرده إلى الوراء فزحفت العساكر العثمانية تحت قيادة حافظ باشا، وتلاقى الجمعان في «نزب» وكان مع إبراهيم باشا جيش كبير من العرب، فانكسر حافظ باشا كسرة شنيعة وغنم إبراهيم أكثر مدافعه، ومات السلطات محمود من الغم عند سماع خبر هذه الهزيمة وذلك سنة 1839.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٥٠