تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاستنجدت الدولة الأسطول المصري وأرسلت قوة بحرية بارجة قائد الأسطول بدون أن يشعر أحد فوقع الرعب في سائر الأسطول، ودارت الدائية عليه. فأرسلت الدولة أسطولا ثانيا فلم يقدر على قرصان اليونان، وخلت سنة 1823 والوقائع مستمرة، والحرب سجال بين الفريقين إلا أنه في هذه السنة قتل «بونزلريس» المسيحي الذي يعد هو «وإبسيلنيى» و«كناريس» أعظم رجال الثورة اليونانية.

ولما طالت هذه الثورة ثارت الحمية في جميع بلاد أوروبا لنصرة اليونان، الذين يقاتلون لأجل استقلالهم وهب الشبان في فرنسا وإنجلترا والمانيا يريدون التطوع في هذه الحرب، وتألفت الجمعيات لجمع الأموال، واكتتسب الناس فيها من كل فج وأقبل كثيرون من القواد والضباط يركبون البحر إلى بلاد اليونان وانضموا إلى الثوار وقتل كثير من هؤلاء المتطوعين، وكان منهم أفراد من أشرف العائلات النبيلة وقواد من المهشورين بالبسالة.

وفي سنة 1824 استولي الأسطول المصري على جزيرة «كازوس» وقطع المصريون خمسمائية رقبة من الأهالي، وأرسلوا ألوفا من الآذان المصلومة إلى الأستانة واستولي الأسطول التركي على «بسارة» ولكن لم يطل فرح الأتراك هذا فإن السفن اليوناني تغلبت على الأسطول العثماني وفر أمير البحر تاركا الجنود التي أنزلها في «بسارة» فهجم عليهم الأورام وذبحوهم، فأرسلت الدولة أسطولا اجتمع مع الأسطول المصري في جزيرة «ساتس» إلا أن ميوليس» اليوناني من أكبر زعماء الثورة تغلب على الأسطولين، وفقد عددا من جنودهما فأرسل السلطان محمود إلى محمد على والي مصر يوليه بلاد «المورة» وجزيرة «كريت» ويعهد إليه بقمع الثورة، فأرسل محمد على والده إبراهيم باشا فأنزل عما كره في المورة سنة 1825 واستولي على «نافارين» و«كالاماته» وجميع السواحل ما عدا «نابولي» وهزم «كولوكوتروني» في مدينة «تريكورفة» وهزم أبسيلنى في مدينتي «ريزس» و«إردوفه» برغم مساعدات المتطوعين الأوروبين الذين كانوا في صفوف اليونان، وكاد إبراهيم يسحق الثوار بأسرهم فصاروا يقرون إلى الجبال ولم يبق ثائرا إلا زعيم أسمه «بابا فليشاس» فإن هذا الرجل لم يقدر على إبراهيم ولكنه ألحق بعكسره خسائر غير قليلة، ولم يبق بلدة غير طائعة في بلاد اليونان غير «أثينا» و«ميسولونكي» التي جاء القائد التركي رشيد باشا يحاصرها فدافعت النجدات من كل فج بحيث لم يقدر رشيد باشا على فتح البلدة، فاستنجد إبراهيم باشا فجاء وضيق الحصار على «ميسولونكي» فاشتدت المجاعة بالمحصورين حتى أكلوا الخيل والكلاب، وأخيرا أجمعوا من يأسهم على الخروج وكانوا ثلاثة آلاف مقاتل ومعهم النساء والأولاد، فقاتلوا قتالا شديدا ولكنهم لم يقدروا على النجاة، فسحقهم عساكر إبراهيم باشا ورشيد باشا واستولي المسلمون على «ميسولونكي » ومن بعد ذلك ذهب رشيد باشا يحاصر أثينا، حيث اجتمع ألوف من الثوار ومعهم قواد أوروبيون «فانتصر الأتراك عليهم» ثم أخذت البلاد اليونانية تقدم الطاعة لإبراهيم باشا وكان ينقطع كل أمل من استقلال اليونان الذين أخذ الزعماء منهم يقاتل بعضهم بعضا، وصارت الحالة عندهم أشبه بالفوضي، فعند ذلك تدخلت الدول الثلاث فرنسا وإنجلترا والروسيا وطلبت من الدولة ومن الثوار الأورام توقيف الحرب، فالأروام أسرعوا إلى القبول بطبيعة الحال وأما الدولة فقد رضت هذه المدخلة في مملكتها، واستمرت على القتال فاقترحت الروسيا تقسيم بلاد اليونان إلى ثلاث إمارات تحت حماية أوروبا، فرفضت ذلك الدولة واليونان معا فالدولة رأت في هذا التدبير خروجا لبلاد اليونان من السلطنة العثمانية، واليونان رأوه تدبيرا يخالف مبدأ استقلالهم ووجدتهم وفي ذلك الوقت أي سنة 1825 في شهر ديسمبر توفي القيصر إسكندر وخلفه ابنه تقولا الأول الذي أجبر تركيا على عقد مشاهدة تخول للروسيا حق الملاحة في البحر الأسود، وتجعل سربيا إمارة مستقلة استقلالا داخليا تحت سيادة السلطان، وإنما تبقي حاميات عثمانية في بلغراد، وثلاث قلاع أخرى، وتدفع الدولة جزية سنوية، ثم قررت الدول توكيل إنجلترا سربيا إمارة مستقلة استقلالا داخليا تحت سيادة السلطان وإنما تبقي حاميات عثمانية في بلغراد، وثلاث قلاع أخرى، وتدفع الدولة جزية سنوية.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٤٧