تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونبغ في ذلك الوقت كوتشوك حسين باشا، فتولى نظارة البحرية وكان صهرا للسلطان وكان متحليا بمزايا نادرة، ولو لم يمت قبل وقته وذلك سنة 1803 لبلغت تركيا بواسطة هذا الوزير الدرجة القصوى من الرقي، فإنه بدأ فطهر البحر من القرصان بعد أن طال عيشهم فيه، ثم أخذ بترميم القلاع وشحنها بالمقاتلة، ثم انتدب مهندسين من فرنسا والسويد، ثم أخذ بإنشاء الأساطيل وجدد مدرسة المدفعية ومدرسة البحرية اللتين كان أنشأهما البارون الفرنسي دوطوط، وأنشأ خزانة كتب تشتمل على أحسن كتب الفن، واعتمد في أكثر إصلاحاته العسكرية على ضباط الفرنسيس، وأدخل إصلاحات في دار السبك في الطوبخانة، وكان الروسيا تنظر إلى هذه النهضة العثمانية بعين الحذر، وقد تحفزت للنكث بمعاهدة ياسي، وثار في ذلك الوقت باشا «ودين» من بلاد البلغاري، فساقت الدولة عسكرا لمحاربته ، ولكنها التزمت أخيرا أن ترضيه بترك ودين له مدة حياته.

وكانت هذه الفتن المصطلمة المستمرة في السلطنة العثمانية في داخلها، وهذه الحروب المضطرمة المستمرة عليها من خارجها، قد أطمعت فيها دول أوروبا وصيرتها تفكر في دنو أجل هذه السلطة، وصارت كل دولة تتحفز للاستئثار بشقص من هذه التركة، وقد كان حديث اقتسام أوروبا للسلطنة العثمانية قديما، وطالما تذاكرت الدول الأوروبية جمعاء في هذا الأمر أو تفاوض القسم الاكبر منها في إتمامه، وكان يحول دول ذلك الاختلاف فيما بينهن مع صعوبة إتمام العمل بنفسه لأنه ليس بسهل، وقد لخصنا في حواشي حاضر العالم الإسلامي كتابا لأحد وزراء رومانيا اسمه مئة اقتسام لتركيا، يدل بالوثائق على قدم الفكرة الصليبية في أوروبا وعدم انقطاعها، ومن الغريب أن الأوروبيين فكروا في هذا الأمر أيام كانت تركيا في عنجهية أمرها، وكانت جيوشها توغل في قلب أوروبا، فبديهي أنهم ازدادوا تفيكرا به بعد أن ظهرت عليها علامات الانحطاط وتوالت فيها الثورات وتحفز رعاياها البلقانيون المسيحيون كالسرب واليونان للانتفاض عليها.

فلما تولى سليم الثالث السلطنة كان الناس في أوروبا يعتقدون أن أجل السلطنة أصبح قريبا جدا، ولذلك قررت الحكومة الفرنسوية غزو الديار المصرية، وحاوت اقتناع تركيا بأن هذه الغزاة لا تنوي بها فرنسا العداوة لتركيا، وإنما تريد بها سبيلا إلى الهند، كما أنها ترى حكم المماليك في مصر شيئا أشبه بالفوضى فتريد القضاء عليه، وكانت إنجلترا في غيرة شديدة من نفوذ كلمة فرنسا لدى الباب العالي، فلما غزت فرنسا مصر اهتبلت في ذلك الفرصة حتى تقربت إلى الحكومة العثمانية، وصارت معها يدا واحدة، فأعلنت الدولة الحرب على فرنسا واتحدث معها إنجلترا والروسيا، وقبضت الدولة على معتمد فرنسا وحبسته في الأبراج السبعة بالأستانة، وضبطت أملاك الفرنسيس في جميع البلاد العثمانية وكان الفرنسيس قد تغلبوا على المماليك في واقعتي الأهرام وإمبابة، وسقطت مصر كلها في أيدي الفرنسيس، وجاء جيش عثماني بقيادة مصطفى باشا عدده 18 ألفا فنزل عند أبي قير، وقبل أن يتحصن في مراكزه هجم عليه بونابرت ومزقه شر ممزق، إلا أن الأسطول الإنجليزي أحرق الأسطول الفرنسي في مياه أبي قير، فتعذر علي الفرنسيس إنجاد عسكرهم، وصار كالمحصور، ومع هذا فقد زحف بونابرت إلى سورية وما زال يتقدم حتى وضع الحصار على عكا، وكان لو أخذها استولى على سورية وربما وصل إلى الأستانة، وهذا شيء لا يقدر مؤرخ أن يجزم به، وإنما يتفق العقلاء على أن فشل بونابرت أمام عكا قضى على آمال فرنسا في هذه الحملة المصرية «فأحمد باشا الجزار البوسنوري» قائد الحامية العثمانية في عكا «والأميرال سيدني سمث» قائد الأسطول الإنجليزي في بحر عكا ردا بونابرت خائبا، فرجع إلى مصر ومنها أبحر إلى فرنسا، وترك قيادة جيشه للجنرال كليبر، فأخذ الإنجليز يفاوضون كليبر في الصلح، ولكنهم طلبوا منه تسليم جيشه، فأبى قبول هذا الشرط المهين، فجاء واحد اسمه سليمان الحلبي سار من حلب إلى مصر بمجرد حميته وطعن كليبر بخنجر فقتله، فأنقذ الإسلام من عدو كبير، فخلفه الجنرال منوم وأخيرا تم الاتفاق سنة 1801 على إخلاء الفرنسيس للديار المصرية.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٣٩