تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما في رومانيا فدارت الدائرة أيضا على العثمانيين مع أنه كان عندهم هناك مئة وثمانون ألف مقاتل، وأوشكوا أن يحيطوا بالروس، ولكن بسوء إدارتهم تغلب الروس عليهم في معركة كاهولو، وقيل إنهم فقدوا خمسين ألف مقاتل، ولم يكن من يفكر في حفظ شأن السلطنة غير السلطان وحده، وكان الوزراء كلهم تحت تأثير الإنجليز يريدون الصلح، وقد طلبوا وساطة النمسا لذلك، وكان البارون «دوطوط» “de Tott”

الفرنسي يشتغل بأمر السلطان في ترميم المدفعية العثمانية، إذ بعد أن كانت هي المدفعية الأولى في أوروبا تقهقرت إلى الدرك الأسفل، فأنشأ السلطان مدرسة للمدفعية والهندسية في الكاغدخانة، وكذلك بنى السلطان مدرسة للبحرية، وذلك في دار الصنعة التي يقول لها الأتراك الترسانة، وكانت البحرية وصلت إلى أقصى حدود الخلل، وصار القبطان باشي أي ناظر البحرية يضع السفن تحت المزاد، فالذي يزيد له في الرشوة يقلد قيادة السفينة، ومما لا شك فيه أن البارون دوطوط خدم العثمانيين في ذلك الوقت خدمه جزيلة في ترميم المدفعية والبحرية.

وفي سنة 1771 هاجم حسن بك التركي ومعه أربعة آلاف متطوع جزيرة لمني وهزم الروس وألجأهم إلى الفرار بأسطولهم، فكافأه السلطان بنظارة البحرية، وانهزم الروس أيضا في كرجستان وفي طرابزون، إلا أنهم تغلبوا على القريم، وكانت هذه قاصمة الظهر لتركيا، إذ أعلن البرنس الروسي قائد جيشهم استقلال القريم عن تركيا ووضعها تحت حماية الروسيا، ومن بعذ ذلك صار البحر الأسود بين الدولتين بعد أن كا عثمانيا بحتا.

أما النمسا فقد اتفقت مع بروسيا والروسيا على اقتسام بولونيا، ثم توسطت النمسا في الصلح بين تركيا والروسيا، واجتع رجال الدول الثلاثة في مولدفيا، وعندما بدءوا بالمذاكرات الصلحية اشتط الروس في مطالبهم، فرفضت تركيا صلحا كهذا واستؤنفت الحرب، فأنكسر الروس في «روسجق» و«سيلستريه» من بلاد البلغار، فذهبوا إلى بازرجيك، وهي مدينة غير محصنة، فانتقموا عن هزائمهم بقتل الأهالي وفيهم النساء والأطفال، وروى المؤرخ «هامر» أن حسن باشا قبطان البحر على رأس جيشه من السباهية طرد الروس إلى ما وراء الدانوب، وغنم مدافعهم وأرزاقهم وقدور الطعام فيها اللحوم وهي نصف ناضجة.

ثم إن الدولة تغلبت على علي بك الثائر بمصر بالاتفاق مع ظاهر العمر الزيداني والى عكا الذي كانت السفن الروسية تمده بالمال والسلاح، ولسوء طالع السلطنة مات مصطفى الثالث بينما كان يريد أن يقود الجيش المرابط على الدانوب، وذلك في 21 سبتمبر سنة 1773، وأسفت الأمة العثمانية بأجمعها عليها لأنه كان مصلحا كبيرا، وجاء في زمن بلغت فيه الإدارة أبعد ما تصوره العقل من الخلل، فعالج أمراض السلطنة بصبر عجيب وأصلح جانبا كبيرا مما كان ينوي إصلاحه.

وقد فكر السلطان في خرق برزخ السويس وكلف البارون دوطوط بأن يرسم له خطة لهذا المشروع الذي كان ينوي إجراءه بعد عقد الصلح.

السلطان عبد الحميد الأول

فتولى الملك السلطان عبد الحميد الأول والملك جمرة تضطرم، ولم تصل الفوضى في السلطنة العثمانية إلى مثل ما وصلت إليه لذلك العهد، فإن أحمد باشا والى بغداد كان قد أعلن استقلاله، وظاهر العمر الزيداني كان قد استفحل أمره واستولى على بلاد الجليل، التي يقول لها العرب «بلاد الأردن» وحصن عكا واتخذها عاصمة له، وكان محمد بك والى مصر ثائرا تقريبا، وكان محمود باشا والى اشقودره في شمالي ألبانيا قد انفصل عن الدولة، وكان أهم منه علي باشا وإلى يانيا الذي أسس في جنوبي ألبانيا مملكة مستقلة.

دخل عبد الحميد الأول على السلطنة وهي بهذه الحالة، وجاءت الروسيا وأعلنت عليه الحرب انتقاما عن هزائهما الماضية، وأسرع القائد الروسي الكونت رومانسوف فقطع بين الجيش العثماني وبين ميرته التي كانت في فارنة، فوقع الرعب في الجيش وتبدد شمله، ولم يبق مع السرعسكر إلا 12 ألف مقاتل، فرأى السلطان أن مداومة الحرب مستحيلة، وعقد مع الروسيا معاهدة «كوتشوك قينارجي» في 21 يوليو سنة 1794، وبهذه المعاهدة انسلخت بلاد القريم وبلاد بوجاق وبلاد قوبان عن تركيا، واستولى الروس على كيلبورم ويني قلعة وآزوف، وصار لهم حق الملاحة في البحر الأسود، ورجعت الفلاخ والبغدان إلى تركيا، ولكن مع الاعتراف للروسيا بحق إبداء رأيها في شئون تينك الإمارتين، وكذلك صار للروسيا حق آخر وهو التكلم في الشئون العائدة للمسيحيين وكنائسهم، مما كان السبب في الحرب المسماة بحرب القريم سنة 1854.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٣٧