السلطان عثمان الثالث
وفي 13 ديسمبر سنة 1754 توفي السلطان محمود الأول بعد أن ملك أربعا وعشرين سنة، وكان حليما رءوفا محبوبا فأسف عليه الناس أجمع وخلفه السلطان عثمان الثالث، وكان الصدر الأعظم هو علي باشا، فاستخف بأمر السلطان وأكثر الغلول من مال الدولة، فأمر السلطان بقتله ووضع رأسه في صحن من فضة على باب القصر السلطاني، وولى الصدارة وزيرا اسمه محمد راغب باشا، وكان في غاية الدهاء والحكمة مع الحزم والعزم، وكانت له خبرة بالسياسة الخارجية ولم يطل أمر عثمان الثالث، ولم يحصل شيء في زمانه سوى حريق لم يسبق له مثيل في الأستانة التهم نصف هذه العاصمة ومات عثمان الثالث في 29 أكتوبر سنة 1757.
السلطان مصطفى الثالث
وخلقه ابن أخيه وهو السلطان مصطفى الثالث ابن أحمد الثالث.
وقد بدأت سلطته في أثناء حوادث أثارت ثائر الأمة؛ منها الاعتداء الذي جرى على قافلة الحجاج بين الحرميين، ومنها أن سفينة أمير الماء، أي القبطان باشي خرج منها جنودها وبقي فيها بعض النواتية من الأرقاء المسيحيين فذهبوا بها إلى مالطة.
غير أن السلطان بدأ بالإصلاح فعلا، وأول ما وجه إليه همه هو إصلاح الأمور المالية وضبط الجبايات واتباع سياسة التوفير ولا سيما في القصر السلطاني، وأخذ السلطان إدارة الأوقاف من يد أغا القصر وسلمها إلى الصدر الأعظم، وكان راغب باشا يبني المحاجر الصحية توقيا من الطاعون، ويقوم بإصلاحات أخرى مثل بناء دار الكتب العظيمة التي بناها في استانبول، وكان مراده أن يشق بلاد الأناضول بترعة تتكون من نهر سقارية، ومن بحيرة واقعة بين سقارية وإزنيق، وذلك تسهيلا لنقل الحبوب والأقوات، فمات قبل أن يتمكن من إجراء هذه الفكرة الحسنة وكانت وفاته سنة 1752.
وبينما كانت الدولة في أشد الحاجة إلى مثل راغب باشا جرت حوادث في غاية الخطورة، منها قتل بطرس الثالث قيصر الروسيا وجلوس كاترينة الثانية على عرش تلك المملكة، وموت أوغوست الثالث ملك بولونيا، وكانت الروسيا قد دخلت في صف الدول العظام، وأخذت تنمو بسرعة، فوجهت جميع دسائسها إلى إسقاط مملكة السويد، ومملكة بولونيا والسلطنة العثمانية، وقد تغلبت على السويد ونزعت من يدها بموجب معاهدة نيستاد أحسن ولاياتها في البلطيق الغربي، ثم قضت الروسيا على مملكة بولونيا وأجلست على عرش هذه المملكة الكونت ستانسلاس بونيائوفكس عشيق القيصرة كاترينة - أو أحد معشوقيها الذين كان لا يأخذهم الإحصاء - فاحتجت تركيا وفرنسا على عمل الروسيا هذا، ولكن الدولة العثمانية كان بلغ منها فساد الإدارة وفشو الرشوة والخيانة إلى أقصى حد يتصوره العقل، وكان الإنجليز يستعملون المال في جميع مقاصدهم، وينالون به جميع ما يريدونه من الدولة، وكان السلطان يعرف كل ذلك ولا يقدر على الإصلاح نظرا لشمول الفساد وعموم البلوى، حتى إنه قال لخان القريم: إن جميع الباشوات الذين عندي قد فسدت أخلاقهم ولم يبق لهم هم إلا في اقتناء الجواري وآلات الطرب وبناء القصور. وفي أثناء ذلك اعتدى الروس على حدود الدولة ودخل القوزاق إلى بالطة، فأعلنت الدولة الحرب على الروس، ولكن كانت جيوشها في أسوأ حالة، وكان مضى زمن طويل وهي خافضة في السلم، فنسيت أهم معدات القتال، وكانت قلاعها قد تداعت إلى الخراب، وكان المدفعية في أشنع حال، وكان الولاة قد أخذوا يستقلون في ولاياتهم مثل أحمد باشا في بغداد والحاج يمكلي في طرابزون والمملوك علي بك في مصر وغير ذلك، وثار يومئذ ظاهر العمر الزيداني في عكا.
هذا ولما أعلنت تركيا الحرب على الروسيا زحف خان القريم كريم غرائي فاخترق حدود الروسيا وهزم الروس، وعاد إلى بندر بخمسة وعشرين ألف أسير منهم، ولسوء الحظ مات كريم غرائي في أثناء ظفره هذا فزحف الروس وحاصروا شوقسين فامتنعت عليهم، وجاء أمين باشا قائد العثمانيين لنجدة التتر فانهزم وأمر السلطان بقتله، وخلفه وزير يقال له المولدوفنجي فلم يتوفق لأنه بينما كان يعبر نهرد دنيستر طغت المياه فزعزعت أركان الجسرين اللذين على النهر فازدخم الجيش العثماني ازدحاما ساعد على انهيار الجسور فغرق منه عدد كبير، بينما كان الروس يرمون على الجيش بنيرانهم، فانكفأ العثمانيون إلى نهر الطونة ودخل الروس إلى بلاد رومانيا، ثم أرسلت الروسيا أسطولا إلى البحر المتوسط، فأثار بلاد المورة وبلاد الجبل الأسود، فتوالت الوقائع بين الأتراك وبين الثائرين من الأروام ومن السلاف، واشتعلت الحرب بين الأسطولين العثماني والروسي، واحترق الأسطول العثماني في ششمة، وكان يقود الأسطول الروسي أورلوف الشهير عشيق القيصرة كاترين الثانية، ولكن قيادته كانت اسمية، والفعل كان لأمير الماء الايكوسي المسمى الفنستون، وأراد الفنستون هذا أن يخترق الدردنيل، فأبى أورولوف أن يطيعه وجاء فحصر جزيرة لمبي التي هي قبالة ذلك البوغاز، وكان العثمانيون قد بادروا إلى تحصين الدردنيل وحشدوا على الضفتين ثلاثين ألف مقاتل، وهكذا أمنوا خطر عبور الروس إلى الأستانة.