تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

de Coligny

وتطوع في هذا الجيش أكثر أبناء بيوتات الشرف في فرنسا، وكان الكوبرلي قد استولى على سيرين فار وكورمورن الصغرى، ولكن عندما وصل جيش الفرنسيس صارت الحرب سجالا، وقطع الكوبرلي الأمل من محو قوة النمسا، فعقد الكوبرلي الصلح المسمى بصلح فازفار سنة 1664، ووقع الاتفاق على أن ترانسلفانيا لا يكون فيها عثمانيون ولا نمسويون، وأن يتولاها أمير تحت سيادة السلطان، وفي الولايات المجرية السبع يكون منها ثلاث للنمسا وأربع للدولة العثمانية، وبقي الفرنسيس في البحر المتوسط يتجاوزون على سواحل الدولة ويتعرضون لمراكبها، فاشتد غضب الأتراك ونادوا يا للثارات.

وكان في فرنسا الوزير «كولبير

Colberl » لا يرى في هذه العداوة خيرا، فأرسل ابن المسيو لاهاي لأجل السعي في الصلح، ولم يكن هذا الاختيار في محله لأنه هو الذي أغلظ القول لمحمد باشا الكوبرلي وأمر هذا بحبسه، فلما وصل لاهاي الصغير وقابل الكوبرلي الصغير اختصما في الكلام، فسمع لاهاي من الصدر الأعظم كلاما مهينا، فخرج مغاضبا وقال للصدر: إنه سيغادر القسطنطينية. فلما وصل عند الباب قبضوا عليه وحبسوه، ولما بلغ الخبر السلطان أمر باطلاق لاهاي واسترضائه، ولكن الكوبرلي رفض تجديد امتيازات الفرنسيس، ومنعهم من المرور بالبحر الأحمر ومصر في تجارتهم مع الهند، وأذن للإنجليز والجنوبيين، فأخذ الفرنسيس يوالون النجدات لجزيرة أقريطش، وكان الحصار على قندية، فركب أحمد باشا الكوبرلي بنفسه وضيق الخناق على تلك البلدة، وأقبل فرسان مالطة وأكثر أبناء النبلاء في فرنسا ينجدون قندية، إلا أنهم انكسروا في واقعة حاسمة وتركوا ميدان القتال منصرفين إلى بلادهم، فازداد ضغط الأتراك على تجار الفرنسيس، فأرسل لويس الرابع عشر أربع سفن لأجل حمل السفير ورجال السفارة وجميع التجار الفرنسيس الذين في القسطنطينية، ثم جهز اثني عشر تابورا وثلاث مئة فارس في خمسة عشر سفينة تحت قيادة «الدوك بوفور

Beaufort » وأرسلها إلى كريت، ولكن هذه الحملة لم تكن عظيمة الفائدة لكريت والبنادقة، ولم تمنع تغلب العثمانيين على الجزيرة، وانعقد الصلح في 6 سبتمبر سنة 1669، ودخلت كريت كلها تحت حكم الدولة ما عدا ثلاثة مراس كورابوزه وصوده واسيبنالونفه. وكان فتح العثمانيين لكريت هو آخر فتح لهم فتحوه من ممالك النصرانية، ولم يوجد في التاريخ بلدة اشتد حصارها وطال نظير قندية، واستمرت حرب كريت خمسا وعشرين سنة، في أثنائها قام العثمانيون بست وخمسين حملة، وصدوا خمسا وأربعين هجمة، وأحرق المحصورون ألفا ومئة واثنين وسبعين لغما وأحرق الأترك ثلاث أضعاف ذلك، وبلغ عدد خسائر البنادقة أربعين ألفا.

وذكر المؤرخ هامر أن خسائر العثمانيين بلغت مئة الف.

وكان لويس الرابع عشر وأكثر شبان فرنسا يريدون محاربة تركيا، إلا أن كولبير الوزير المعروف كان لا يزال يعارض في هذه الحرب، وعزل السفير لاهاي وأرسل مكانه المركيز «دونوانتل

de Nointel »، فطلب من تركيا مطالب رفضها الكوبرلي، وقال: إن تلك الامتيازات التي كان يتمتع بها الفرنسيس كانت من قبيل الأنعام لا غير، وليست شرطا لازما، فإن لم يكن السفير يفهم هذا فما عليه إلا أن يرجع إلى بلاده. فلما علم لويس الرابع عشر بما جرى أمر بتجهيز أسطول خمسين بارجة حربية، ولكن في آخر الأمر تغلب الميل إلى السلام، وأعيدت معاملة الفرنسيس في تركيا إلى ما كانت عليه، واعترفت الدولة لفرنسا بحماية الكاثوليك في الشرق، ومع هذا فإن لويس الرابع عشر بقي طول حياته يكره تركيا ويفكر في شن الغارة عليها، ولم يتأخر عن ذلك إلا عجزا لأن الدولة في أيام أحمد باشا الكوبرلي عادت فصعدت إلى ذروة المجد.

وفي أيام الكوبرلي دخل القوزاق الروس في طاعة الدولة، وكانت الدولة أعلنت الحرب على بولونيا في 18 آب 1672 وزحف السلطان بذاته وكسر البولونيين، وعقد ملك بولونيا «ميشيل فيسموفيكي» صلحا مهينا وتخلى عن «بادوليه» للعثمانيين وعن أوكرانيا للقوزاق، وتعهد بدفع جزية سنوية عشرين ألف دوكة، فالشعب البولوني لم يوافق على هذا الصلح، وعاد القواد فاستأنفوا الحرب، وكانت سجالا بين الفريقين، فتوسط خان القريم في الصلح وانعقدت المعاهدة على أن يبقى قسم من أوكرانيا تابعا للدولة العثمانية، ومن سوء حظ الدولة مات أحمد باشا الكوبرلي، وكان لم يتجاوز إحدى وأربعين سنة، وكانت وفاته في 30 أكتوبر 1676، ولم يكن سفاكا للدماء كأبيه ولا كان شرها إلى المال، وكان محبا للعدل قائما بالقسط، فتولى الصدارة بعده ابن عمه قره مصطفى باشا، ولم يطل الأمر حتى استؤنفت الحرب في رومانيا وبلاد القوزاق، فزحف قره مصطفى بجيش جرار واستولى على كورين من أوكرانيا.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٢٨