ثم إن التتار تجاوزوا حدود مملكة النمسا فوقعت الحرب بين النمسا والدولة من أجل ذلك، فصارت الحرب بين الدولة من جهة النمسا والبندقية من جهة أخرى وكادت تقع مع فرنسا أيضا، وكانت امتيازات فرنسا في المملكة العثمانية مقررة ومسكوكاتها مقبولة، وما عدا الإنجليز والبنادقة فكل الامم لأجل أن تتجر في البلاد العثمانية يجب عليها رفع العلم الفرنسي، وكان الفرنسيس لا يؤدون شيئا من الضرائب في بلاد الدولة، وكان قرصان الجزائر لا يقدرون أن يمسوا بسوء السفن الفرنسية، وكان للفرنسيس حتى اصطياد الصدف في سواحل الجزائر، وأكثر من وطد هذه الامتيازات لفرنسا هو السفير سافاري دو بريف، ولكن بعد انقضاء أيام هذا السفير أخذت المحبة بين فرنسا والباب العالي بالنقصان ولا سيما في زمان مراد الرابع.
وكان الإنجليز والهولنديون أقنعوا السلطان بطرد الجزويت، وجاء سفير لفرنسا اسمه «هنري دوغورنيه
de Gournay » فأساء السياسة، فصدر الأمر بإغلاق كنائس غلطة التي كانت تحت حماية فرنسا، وبمنع الفرنسيين من حمل السلاح وبإجبارهم على دفع الرسوم والضرائب، ثم إن الأروام في القدس الشريف حصلوا على الإذن بحراسة الأماكن المقدسة، وقد كانت من قبل في أيدي الفرنسيسكان، وأخذ قرصان الجزائر يعتدون عى مراكب الفرنسيس، وانضم إلى ذلك أن سفير فرنسا عندما تولى الصدارة محمد باشا الكوبرلي لم يقدم له الهدايا المعتادة، وقد كانت هذه سنة متبعة، ثم رأى السفير الموسيو دولا هاي أن هذا الصدر الأعظم طالت أيامه فقدم له الهدايا اللازمة وعوض ما فرط، ولكن كانت سخيمة الصدر الأعظم تمكنت من قبله فصار يترصد الفرصة ليوقع بين فرنسا والدولة.
وكانت الحرب لا تزال مشتعلة بين البنادقة والدولة على أقريطش، وفي سنة 1659 جاء فرنسي اسمه فيرتامون إلى الصدر الأعظم وسلمه رسائل واردة من جيش البنادقة في قندية باسم المسيو دولاهاي سفير فرنسا في الأستانة، وكان هذا الفرنسي خائنا لقومه فسئل السفير عن ذلك، وكان طريح الفراش بمرض الحصى، وكان الصدر الأعظم وقتئذ في أدرنة، فأرسل السفير ابنه ينوب عنه، فبينما كان الصدر الأعظم يسأل ابن السفير عن معنى هذه المكاتيب لأنها كانت محررة بالأرقام، أجابه الولد بغلظة فأمر الصدر بحبسه وقال: لا نتحمل من ابن سفير ما يجوز أن نتحمله من سفير. فقام السفير من فراشه وذهب إلى أدرنة يحاول تخليص ابنه، فسأل الصدر السفير عن معنى هذه المكاتيب، فأبى السفير أن يجيب بشيء، فبقي الولد في الحبس، وأرسل الكردينال «مازارين» الماريشال «بلونديل» ومعه مكتوب من ملك فرنسا إلى السلطان يطلب فيه عزل الصدر الأعظم، فلم يلتفت الكوبرلي لمعتمد فرنسا ولا أذن له بمقابلة السلطان، فتحمل الكردينال مازارين هذه الإهانة وانتقم لفرنسا بإرسال متطوعين يساعدون البنادق في أقريطش، وكان أمر الكوبرلي يغلظ يوما فيوما، وكلما ازدادت سنه علوا ازداد بطشا وعتوا، وحصلت بعض فتوق في أيامه فسدها بدهائه وحزمه، وأطفأ ثورة حصلت في مصر، وقبل أن يموت سأله السلطان عن الشخص الذ يليق بأن يخلفه، فأشار عليه بابنه «أحمد باشا الكوبرلي» وكان كأبيه في الدهاء والحزم.
ولما تولى هذا الصدارة عرضت النمسا والبنادقة الصلح فلم يجب أحمد باشا الكوبرلي هاتين الدولتين إلى الصلح، وزحف وعبر الطونة عند غران وهزم الكونت دوفورغاكس، وضيق الحصار على بلدة نوهيزل
Neuhoesel
وهي أمنع معقل في بلاد المجر، كان يقال إنها لا تؤخذ ففتحها الكوبرلي عنوة بعد حصار ستة أسابيع، ثم عاث الجيش العثماني في المجر ومراغية وسيليسية، وسحب في رجوعه ثمانين ألف أسير، فاستغاث الإمبراطور ليو بولد صاحب النمسا بدول النصرانية، فدعا البابا جميع النصارى إلى حرب صليبية.
وكان لويس الرابع عشر غير ناس الإهانة التي لحقت بسفيره، فوعد بتجهيز ستين ألف مقاتل لحرب الترك، وأرسل بالفعل ثلاثين ألفا بقيادة الكونت دوكليني